18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:13 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | ترجمان القرآن  |  ترجمان القرآن
2018-01-14   2863

ترجمان القرآن

شاء الله أن تجري الأمور في هذا العالم ـ عالم الدنيا ـ بالوسائط، ومنها صلته بمخلوقاته، وأهمها الإنسان الذي كرمه بخلقه، حيث جعله خليفة له في الأرض ((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ..........)) (البقرة -30) ولأجل أن يتواصل مع مخلوقاته العاقلة، كان اصطفاء الوسطاء يأتي تماشيا مع إرادته في نشأة هذا العالم، حيث اقتضت حكمته فيه بأن يكون الاصطفاء في الخيرة من عباده من الأنبياء والمرسلين الذين استحقوا منصب الخلافة الإلهية بأعلى الدرجات؛ لعظم الأمانة الإلهية التي يحملونها للناس، أمانة التبشير والإنذار ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ..............)) (البقرة -213) حتى كان النبي محمد صل الله عليه واله إمامهم وخاتمهم، برسالته الخاتمة الشاملة لكل الأديان السماوية التي سبقتها، وعمادها القرآن الكريم، كدستور يضم في جنباته خلاصة صحف وكتب الأديان السابقة؛ ناسخا بعض تشريعاتها ومثبتا الآخر، ناهيك عما جاء به من تشريعات تعاصر كل الأزمنة.
وبما أن القضاء الإلهي حتّم الموت على سيد الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صل الله عليه واله، ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)) (الزمر-30)، لذا كان لا بد من مُبين بديل؛ من الصفوة الطاهرة، ليحل محل العدل للكتاب، يبين أحكامه وتشريعاته للناس، فكان جعل مقام الإمامة للأئمة الاثني عشر عليهم السلام هو البديل حتى قيام الساعة، فهم خير وسائط للرحمة بين الله وعباده، كونهم عدول القرآن، بعد ان اظهروا سر مكنوناته، فراحوا يعلمون المسلمين أحكامه وتشريعاته.

شهادة القرآن بأن أهل البيت هم صفوة العباد
((إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (آل عمران -33)؛ تؤكد الآية الكريمة نظرية الاصطفاء الإلهي للخيرة من العباد الذين صاروا مصاديق لها، من آدم إلى نوح ونبي الله إبراهيم حيث جاء فيها تصديق لصلة محمد وآل محمد عليهم السلام بنبي الله إبراهيم  عليه السلام عن طريق نبي الله إسماعيل عليه السلام بالإشارة القرآنية " ذرية بعضها من بعض"؛ لتؤكد على كونهم من الأصفياء المختارين للوساطة الإلهية حسب منطوقها، ليحملوا بذلك رسالة الهداية الإلهية كل حسب تكليفه فكانت النبوة والإمامة فيهم، تعضدها الآية الكريمة ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّـهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ )) (آل عمران - 68) لتؤكد لمن لا يبصر بعينه أن النبي محمد صل الله عليه واله والأئمة الأخيار من آل محمد عليهم السلام هم الأجدر والأقدر بالاصطفاء الإلهي على حمل الأمانة الإلهية من باقي الأمة، كونهم المصطفين من ذرية إبراهيم عليه السلام؛ وأن الله هو مولاهم المسدد لخطاهم.
كما إن تصديق النبي وأهل البيت الكرام (عليهم السلام) للميثاق الذي أخذ منهم في عالم الذر، ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـذَا غَافِلِينَ)) (الأعراف -172) بالقول والفعل في عالم الدنيا ـ عالم المشيئة والاختيار ـ ((وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.......)) (الكهف -29) كان سببا في رفع مقاماتهم، فضلا عن أن سر تفوقهم وأفضليتهم على باقي العباد، هو كبر أوعيتهم العلمية (عقولهم) في استيعاب الفيض الإلهي النازل من السماء ((وأنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا ...........)) (الرعد - 17) كونهم خلفاء الله في الأرض، مما جعل لهم الأفضلية بالعلم والتقوى على كل العباد، ((...........إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات -13) والأعلم ((......... قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (الزمر-9).
ولعظم تقواهم كان تعليمهم لدّني من الله العليم، حيث العلاقة التصاعدية بين العلم والتقوى، والتي أشار لها القرآن الكريم بآية ((... وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (البقرة-282) بدءاً من الرسول الأعظم صلى الله عليه واله حيث الوحي النازل عليه كان المعلم له، إلى باقي الأئمة الاثنا عشر عليهم السلام الذين علموا بالإلهام أو السماع والقذف بالقلب. 
وبما أن الله اصطفى الرسول الأعظم صلى الله عليه واله رحمة للعالمين ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)) (الأنبياء-107) فقد كانوا هم من بعده بمقام الإمامة كذلك رحمة للعالمين، وذلك بعد تحققهم لأعلى الكمالات التي أثبتت أحقيتهم في الوساطة الإلهية.
يتضح مما سبق أن الاصطفاء الإلهي للصفوة من العباد لم يكن مبني على المحاباة أو عشوائية الاختيار، بل مبني على أسس الكفاءة ومقومات القيادة لدى المصطفين الأخيار، وهذا ما شهد به التأريخ والناس والعلماء الذين عاصروا النبي وأهل بيته الكرام عليهم السلام ومن خلفهم، حتى انهم صاروا شهودا وعلى مر العصور يصرحون بأن اهل اليت النبوي الكريم هم الأتقى والأعلم في كتاب الله بين الناس كلا حسب زمانه. 

أقوال القرآن في منازل ومراتب أهل البيت
لقد بين القرآن الكريم في العديد من آياته الشريفات؛ منزلة أهل البيت عليهم السلام؛ ولجلال هذه المنزلة وقدرها دعى المسلمين لحبهم والتودد إليهم، فهم أبواب الله التي منها يؤتى، وهم الثقل الثاني المقترن بالكتاب، وهم وسائط رحمته التي وسعت كل شيء ((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فسأكتبها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ)) (الأعراف -156)؛ وزيادة في اليقين، فقد بين القرآن الكريم بآية صريحة وواضحة؛ الإرادة الإلهية في تطهيرهم وإذهاب الرجس عنهم ـ وأعظمه تطهيرهم من الشرك ـ حسب منطوق الآية الكريمة ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)) (الأحزاب -33)، كما أشار القرآن الكريم للمنزلة العلمية أهل البيت عليه السلام، حيث بيّن أنهم ورثة علم الكتاب ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) (فاطر-32)، وبما أن الكتاب محفوظ بالحفظ الإلهي ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) (الحجر-9) والتي تنفي عنه صراحة؛ أي تحريف من زيادة أو نقصان، وأن الباطل لم ولن يطاله، لذلك كان القرآن كتابا معصوما، وعصمته هذه تفرض عصمة من ورث علومه، كي يبينه للناس كما أراده الله بعيدا عن الهوى والاجتهادات الفردية، وهذه دلالة على عصمة أهل البيت مقرونة بعصمة القرآن، إذ لا يمكن أن يورث علم كتاب معصوم محفوظ بحفظ الله إلى أناس غير معصومين!! فما الضامن بأن يفسروه كما أراد الله وليس العكس، لذلك وجبت عصمتهم كونهم قرناءه، وللزيادة في التأكيد جاءت نصوص قرآنية تعضد هذا الطرح حيث بينت أن فيهم عليهم السلام علم الكتاب والحكمة والإمامة التي سماها الكتاب بالملك العظيم، لعظم منزلتها ومقامها الشامل في الدين والدنيا ((أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا )) (النساء-54)، ولكثير مناقبهم ولعلو مراتبهم جاء الأمر الإلهي للرسول الأكرم صلى الله عليه واله بأن يطالب الناس بحب أهل بيته، حيث جعله ثمنا لرسالة الإسلام التي جاء بها؛ والتي أنقذتهم من غياهب الشرك والضلال ((........قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )) (الشورى -23)، ولكن أمة الإسلام لم تلتزم بكتاب الله ولا وصية رسول الله صلى الله عليه واله في حب أهل بيته واتباعهم وإعظام منزلتهم، بل كان نصيبهم من هذه الأمة القتل والتشريد والتعذيب، لذا لم يستقم لها أمر ولا يستقيم إلا باتباع ما نزل عليهم من القرآن والسنة فيهم. 

أقوال الرسول الكريم في منازل أهل البيت في القرآن
إضافة لكل ما تقدم من أدلة قرآنية على الاصطفاء الإلهي لأهل البيت؛ وأنهم قرناءه وحملة علومه، جاءت وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه واله؛ متكررة باعتمادهم الثقل الثاني بعد الكتاب لتؤكد إمامتهم واحدا إثر آخر؛ كل حسب زمانه، ومنها قوله صلوات الله عليه وآله: "من أحب الله فليحبني، ومن أحبني فليحب عترتي، إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ومن أحب عترتي فليحب القرآن، حيث يظهر التكليف جليا باتخاذهم أئمة مفسرين ومبينين للأحكام والتشريعات الإلهية؛ ولكل ما جاء من عند الله في القرآن الكريم، حتى قيام الساعة، كما انه ـ صلوات الله عليه وآله ـ قال فيهم: " فضل الله عز وجل القرآن والعلم بتأويله ورحمته وتوفيقه لموالاة محمد واله الطاهرين ومعاداة أعدائهم"، وكان بيان الرسول الأعظم صلى الله عليه واله للناس من الكتاب؛ من مقاماته التي خص بها ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل-44)، فضلا عن قوله فيهم :" هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقونه حتى يردوا عليّ الحوض".
ولأجل ذلك أصبح أهل البيت؛ وأولهم أمير المؤمنين علي عليهم السلام الثقل الثاني بعد الكتاب، حيث قال الرسول الأكرم صلى الله عليه واله في علي عليه السلام مبينا عظم منزلته:" علي مع القرآن، والقرآن معه، لا يفترقا حتى يردا عليّ الحوض". 

أقوال الأئمة الطاهرين في الثقل الثاني (القرآن الكريم)
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام واصفا منازل أهل البيت حيث يقول :" إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا"، كذلك قوله عليه السلام في اهل البيت وهو منهم : "نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، فينا نزل القرآن وفينا معدن الرسالة"، وهناك أقوال متواترة لأهل البيت عليهم السلام؛ تُبّين منازلهم ومراتبهم؛ وأنهم عدل القرآن وحبل الله الذي أمرنا بالتمسك به، فعن الإمام السجاد عليه السلام يقول :" مثلنا في كتاب الله كمثل مشكاة، فنحن المشكاة والمشكاة الكوة، فيها مصباح والمصباح في زجاجة، والزجاجة محمد صلى الله عليه واله وسلم، كأنه كوكب دري، يوقد من شجرة مباركة"، قال علي عليه السلام :" زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور القرآن، يهدي الله لنوره من يشاء، يهدي لولايتنا من أحب"، كذلك قول ولده الإمام الباقر عليه السلام : "إن الله جعل ولايتنا أهل البيت قطب القرآن وقطب جميع الكتب، عليها يستدير محكم القرآن، وبها يوهب الكتب، ويستبين الإيمان، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أن يقتدى بالقرآن وآل محمد صلى الله عليه واله وسلم، حيث قال في آخر الخطبة خطبها : "إني تارك فيكم الثقلين، الثقل الأكبر والثقل الأصغر، فأما الأكبر فكتاب ربي، واما الأصغر فعترتي أهل بيتي، فأحفظوني فيهما، فلن تضلوا ما تمسكتم بهما".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م