18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 10:00 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | ترجمان القرآن  |  الهرمونيطقيا الإسلامية
2018-02-07   478

الهرمونيطقيا الإسلامية

لكل ظاهرة حقيقة، وللحقيقة ظاهر يحتاج إلى تفسير يهتم بكليتها، وباطن يحتاج إلى تأويل يهتم بجزئية المعنى منها، المعنى الذي يراد ايصاله للعوام المعنيين بهذه الحقيقة، وقد أخذ هذا التأويل ـ أو ما يسمى بعلم الهرمونيطقيا ـ منهجية دينية في البداية، وبمراحل تطورية متلاحقة، سواء كان في الديانة اليهودية والمسيحية أو في الحضارة الإغريقية بل والإسلامية لاحقا، وصولا لوقتنا الحاضر، حيث شمل ـ التأويل ـ كل العلوم الإنسانية، فراح يبحث من خلاله في المعاني والمقاصد التي تختبئ بين مفردات النصوص الدينية والتي يراد بها مخاطبة عقول العوام من الناس ـ قليلو الحظ المعرفي ـ ليخرجهم من حالة الوهم والإبهام الذي يحيط بهم، إلى حالة التصديق اليقيني بالنصوص المقدسة بتوسط العقول النيرة من الأنبياء والرسل والمصطفين ما بينهم وبين الله، الذين عرفوا وفهموا المعاني والمقاصد من الآيات بالتعليم الإلهي لينقلوها لعوام الناس كما أرادها لهم بارئهم، بعيدا عن الهوى والأغراض الدنيوية. 
إن علة اهتمام هذا العلم بالشأن الديني هو بسبب كون الرسالات السماوية فيها من الرمزية والأسرار ما يحتاج لبيان ووضوح خاصة الدين الإسلامي الذي يمتد تأثيره حتى قيام الساعة، وبما أن الحياة البشرية قد توسعت وتشعبت اهتماماتها، مما فتح لها أبوابا علمية واسعة، بعد أن كان ـ الهرمونيطقيا ـ تتموضع بالموضوعة الدينية، راحت تهتم بباقي العلوم الإنسانية، تماشيا مع هذا التوسع ليحيط معرفة بكل نشاطات الإنسان الاجتماعية والأدبية والتاريخية والفنية والسياسية، كونها ترفع الغشاوة والغموض عن البصيرة في أسرار ومعاني هذه العلوم حتى أصبح سببا لرؤية العقول عما خفي عنها أو ما غفلت عنه في بواطن نصوص هذه العلوم. 
ولأنه ـ علم الهرمونيطقيا ـ تأسس في الجانب اللاهوتي من العلم، فقد سارت مسيرة تعلمه وفقا لمنحيين اثنين، منحى التعليم اللدني المباشر من العليم الحكيم للأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين حيث اجتباهم وسطاء له في تعليم الناس عما خفي عن أذهانهم من فهم للنصوص المقدسة، ومنحى آخر هو التعليم الحصولي كما هو في تعلم الناس العاديين من رجال الدين وبمختلف مسمياتهم من مصادر المعارف الدينية المتنوعة، والقصد دائما بيان مضامين الآيات الإلهية التي رمز لها بإشارات أو ولفتات.
وبما أن اللغة هي الوسيط الناقل للمعلومة بين المتكلم والمخاطب، وفيها ومنها البيان بالتفسير والتأويل، عليه أصبح من الضرورة بمكان، فهم هذه اللغة من كل جوانبها، نحوا وبلاغة ومترادف الكلمات فيها، خاصة وهي تشكل محور علم الهرمونيطقيا.

الإسلام والهرمونيطقيا
شاءت الإرادة الإلهية أن يكون كتاب المسلمين "القرآن الكريم" كتاب هداية للناس كافة، وأن يكون آخر الكتب الإلهية النازلة للبشرية، ولكونه الخاتم فإن مواكبته كل العصور حتى قيام الساعة بات أمرا حتميا لا مناص منه، لذا وجبت له الشمولية في مبانيه وأهدافه مما جعله يستبطن بين جمله؛ الكثير من المعاني والمقاصد التي تحتاج لتأويلات من الرسول صلوات الله عليه وآله ومن ثم اصفياءه وحوارييه من آل بيته عليهم السلام، ومن بعدهم مراجع الدين، كي يوصلوا المعنى المقصود من آيات الله لعوام الناس، أو لمن في قلبه زيغ عن صراط الحق، خصوصا من يحاول خلط الأمور بتأويلات اجتهادية من وحي خياله، مستغلا بذلك اشتباه الحق بالباطل بين الآيات لتداخلها في المعنى، كي يمرر من خلال ذلك شبهاته الفجة على من لا حظ له من المعرفة، متجاوزا دعوة الله برد المتشابه إلى المحكم من الآيات التي وصفها الله بأم الكتاب، والتي تعني أنها أصل يرد إليه المتشابه الذي هو فرع، ((هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ )) (آل عمران -7)، أو الرجوع إلى أهل الذكر من أهل القرآن والعلم الذين أوصى الله بطاعتهم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)) (النساء-59)، يلاحظ مما سبق أن علم تأويل آيات القرآن الكريم قد حصره الله في ذاته والراسخون في العلم من الأنبياء والرسل والصالحين المصطفين منه، وهؤلاء علموا التأويل مباشرة من الله العليم بالتعليم اللدني ((فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)) (الكهف -65) ومنه أيضا قصة نبي الله يوسف عليه السلام تضيف دليلا آخرا يؤيد ويسند دعوى التعليم اللدني في تأويل الآيات للأنبياء والرسل والصالحين من العباد الذين اجتباهم لهذه المهمة ((وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) (يوسف -6). 
كما إن علة اجتباء الصفوة من العباد لتأويل الآيات القرآنية، هو في فارق المقامات العلمية لهم عن العوام من العباد، حيث قدرتهم العالية في استيعاب المعلومة وحفظها ومن ثم تصديرها للناس كما أرادها الله، لذلك اختصهم الله بعلم التأويل بناءاً على ذلك الفارق، وتأكيدا لهذا التفاوت العلمي بين الصفوة والعوام فقد أكده الله بآية كريمة ((........قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ........)) (الزمر-9). 
أما بعد ختم النبوة وغيبة حواري الرسول الأكرم الإمام الثاني عشر من سلسلة اصفياءه عليهم السلام، فكان الدور لعلماء الأمة الإسلامية ممن يخافون الله ويرجون اليوم الآخر في أن يكونوا المرجعية الأمينة على دين الإسلام من خلال تعليم الناس ما خفي عنهم من أمور دينهم خاصة وأن سياسة التجهيل قد مورست ضدهم من قبل أئمة الجور كي يغيب الناس عن معرفة الحق ومن هم رجاله، ولا شك أن علم هؤلاء العلماء ـ علماء الأمة الإسلامية ـ إنما هو علم حصولي من مصادر المعرفة المتوفرة بين أيديهم من قرآن كريم وسنة نبوية مطهرة ومن سيرة أئمة أهل البيت النبوي عليهم السلام كعدول للقرآن. 
لذا فإن من يصد عن تأويل القرآن الكريم ويتبع هواه في تفسير النص وتأويله ـ وهو يعرف الحق ولكن يكتمه حرصا على دنيا زائلة ـ فإن الله قد وعده بالخسران المبين يوم يأتي تأويله الحق مخالفا لهواه ساعتها لات ساعة ندم وقد نصب يوم الحساب ولكل نفس ما قدمت، ((هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ)) (الأعراف-53).
وأخيرا، فإن من يرفض علم الهرمونيطقيا كتأويل للنص، يريد من الناس أن يناموا على الجهل وعلى ما عندهم من معلومة مزورة فرضت عليهم قسرا بعد ان غيبت عنهم الحق ورجاله، بداعي أن فتح أي باب للتأويل سيكشف هشاشة بنيانهم العقدي لذلك تراهم يأخذون بظاهر الآيات، مخالفين نصوصا كثيرة تدعو للتأويل، وهذا ما أوقعهم في شراك كثيرة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م