18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:29 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | حقوق الإنسان |  حقوق الإنسان... منحة سماوية أم منّة بشرية؟
2018-10-05   1430

حقوق الإنسان... منحة سماوية أم منّة بشرية؟

يؤمن المسلمون بأن مفاهيم حقوق الإنسان من المفاهيم الوجودية، وأنها مبادئ سماوية مصدرها الأول والأوحد هو الله سبحانه وتعالى، صّدرها لأنبيائه واوصيائه لإعمالها بين الناس لئلا ينحرفوا عن أصل خلقتهم بدواعي الطمع والانا والكبر؛ فيستعبدوا بعضهم بعضا ويأكلوا حقوقهم فيما بينهم، ما جعل أُس كل الشرائع السماوية هو التعريف بالخالق المانح الواهب؛ وما هي حقوق الخلق اتجاهه؛ من عبودية وتسليم وانقياد، فضلا عن ضمان عدم تعارض ذلك مع حقوقهم فيما بينهم. 
وما أن أحتكم الإنسان الى غير حكومة الخالق جل شأنه، وأوجد سننا وسبلا غير تلك التي وضعها مقدّر الأمور سبحانه وتعالى، حتى أثبتت تلك "السنن" و"السبل" قصورها في التوفيق بين مصالح العباد، وانتجت مجتمعات غير سوية يأكل فيها القوي الضعيف، ويستعبد فيها الغني الفقير، ليولد ـ بعد ذلك ـ المثقفين والفلاسفة والمتنورين أفكارا تدعو لحقوق الإنسان؛ ومنها "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948" معتقدين بأنها أفكارا استباقية وريادية، متغافلين عما سنته النظم والتشريعات الألهية قبلهم بألاف السنين، بل ومنذ بدء الخليقة. 
كما يعتقد منظرو حقوق الإنسان بأن "حقوق الإنسان" نتاج طبيعي للتطور المجتمعي، متغافلين عن كونها مطلقة واصيلة، وإنها هبة سماوية وليس منحة مجتمعية، كون مُشّرعها يمتلك من العلم المطلق بأحوال الخلق منذ خلقهم بدء من الماضي السحيق وربطا الحاضر المترامي ووصلا بالمستقبل البعيد، فضلا ‘ن كونه الأرحم بهم والأغنى عنهم والذي لا يرتجي منهم سواء نظم شؤونهم.
ورب سائل يسأل عن وجود المحددات ضمن حقوق الإنسان حسب الشرعة السماوية، واعتبارها قيدا يُقيد به حرية الإنسان، فيكون الجواب بأنها ضمان وتنظيم لمصالح إنسانية متزاحمة، ما يجعلها قيودا منطقية وليست بطرا بما يمنع الإنسان من الاعتداء على ما ليس له، بتصوره بأنه أولى بالحق من غيره، خصوصا وأن هذا "التصور" الخاطئ من الفرد قائما بشكل دائم كنتيجة لحرية الاختيار التي منحها له الله من إمكانية فعل الخير والشر على حد سواء، والتي هي الداعي والدافع الحقيقي لوجود هذه القيود والمحددات على "حقوق الإنسان"، ما يجعل منها ضرورات اجتماعية بل وحياتية ولوازم تكبح طموح الفرد غير المشروع لئلا يصطدم بطموح فرد أخر. 
لهذا ولغيره، حصر الله سبحانه وتعالى تطبيق حقوق الإنسان به من خلال انبيائه ورسله وأوصيائهم بما يجعل منها عملية مأمونة المخاطر، كون من يطبقها قد وفر سلفا الحماية المطلوبة لها بهؤلاء "الجنود" الأمناء، خصوصا وأن هذه الحقوق إنما هي مجموعة القيم والمبادئ الاجتماعية والأخلاقية التي تضمن للأفراد العيش بشكل كريم يمنع فيه تزاحمهم واختلافهم فيها؛ ما يحوجها لحماية كبيرة، وليس آمن حماية من الثقة بالمشرّع جل شأنه. 
وبالمقارنة بين ما نظمته لائحة حقوق الإنسان وبالتحديد المادة الأولى من الإعلان العالمي منه التي تثبت فيه بأن: "يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق؛ وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء"، نجد أن الإسلام ـ قبل هذا الإعلان بأكثر من ألف وثلاثة مائة عام ـ ركز على ثلاث مهام في هذا الصدد، حيث أكد بالأولى منها على أن الكرامة الإنسانية قيمة لا تقبل التفاوض كونه الأفضل فيما خلق الله ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) (الأسراء ـ70)، في حين اثبت في المهمة الحقوقية الثانية على ضرورة التقارب البشري والتعارف القيمي بينهم ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا.....)) (الحجرات ـ13)، في حين أن المهمة الثالثة في المسار الحقوقي للإنسان ـ كمنحة الهية ـ هي ان قيمة الإنسان ليست بلونه او عرقه أو انتماءه، بل بتقواه فقط ((.... أِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات ـ13).
وإذا ما سُئل عن قيمة الحقوق الإنسانية في الإسلام، فأننا نقول بأنها افتقرت لتسليط الضوء الكافي وتبيانها من خلال المحافل العالمية، فضلا عن ان الضغوط التي تعرضت لها المجتمعات الإسلامية جعلت من هذه الحقوق ونظرياتها؛ اشبه بالغائبة وأن كانت بالأصل مغيبة قصرا، خصوصا وأن الرؤية الإسلامية لهذه الحقوق قد اختطفت، وباتت الريادة فيها لمن أعاد تدويرها وانتاجها بشكل عصري ـ على الرغم من ضعف هذا التدوير ـ ببصمة جديدة على ضوء منظومته المجتمعية وخلفياتها العقدية والسيسيولوجية، وهو ما لا نعتقده غائبا عن أي باحث لبيب.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م