16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:43 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | العلاقة مع الأخر (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) |  حسن الجوار... الأسبقية الإسلامية في التأسيسات المجتمعية
2018-11-01   2528

حسن الجوار... الأسبقية الإسلامية في التأسيسات المجتمعية

لما كان الإنسان "مدني الطبع" ولا يمكنه أن يعيش إلا من خلال تجمعات بشرية يأنس بها، ومن ذلك رابطة الجوار، كونها بمثابة العصب المحرك للحركة المجتمعية، وثاني رابطة بعد صلة الدم أو ما يسمى برابطة الرحم، فقد أولاها الإسلام أهميتها الكبرى، باعتبار أن السلوك المجتمعي ما هو إلا انعكاسا لمظاهرها وممارساتها، وهذا ما جعل القرآن الكريم ـ الدستور الإسلامي الأعلى ـ يقرنها بمبادئه العظيمة صنو الصنو مع عبادة الله تعالى والإحسان للوالدين والأقرباء واليتامى والمساكين ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القربى واليتامى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القربى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا))(النساء ـ36).
وبذلك فأنه ـ الإسلام ـ رسم المنهج الموضوعي للعلاقات الاجتماعية، بل ونظم ـ باستباقية واضحة حتى نظريات علم الاجتماع الحديث ـ الحركة المجتمعة من خلال ضبط آلة الجوار في السكن.
ومن ذلك فأن الإسلام لا يحصر حق الجوار بالمسلمين فقط، إنما وسّعه خارج الأفق العقائدي، كما بين ذلك الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله حينما قال: "الجيران ثلاثة: فمنهم مَن له ثلاثة حقوق: حق الجِوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، ومنهم مَن له حقّان: حق الإسلام، وحق الجوار، ومنهم مَن له حق واحد: الكافر له حق الجوار". 
 كما أوصى عليه وآله الصلاة والسلام أهل بيته واصحابه خيرا بالجار بقوله :"ما زال جبرئيل عليه السلام يوصيني بالجار حتى ظننت أنّه سيورّثه"، وهذا ما حمله عليه الصلاة والسلام الى تفقد جيرانه بغية توفير احتياجاتهم، بل وأوصى بذلك صحبه حينما قال :"ما آمن بي مَن بات شبعان وجاره جائع"، ويذكر بأنه عليه وآله الصلاة والسلام كان قد أمر خليفته الشرعي علي بن أبي طالب عليه السلام وسلمان وأبا ذر والمقداد رضوان الله تعالى عليهم بأن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بالقول: "لا إيمان لمَن لم يأمن جاره بوائقه" فنادوا بها ثلاثاً، ثمّ أومأ بيده إلى كلّ أربعين داراً من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله"، بل وأعتبر عليه الصلاة والسلام أن الاعتداء على الجار مانع من دخول الجنة ! حيث قال عليه وآله الصلاة والسلام: "من كان مؤذياً لجاره من غير حقّ، حرمه الله ريح الجنة، ومأواه النار، أَلا وإنّ الله عزَّ وجلَّ يسأل الرجل عن حق جاره، ومَن ضيّع حق جاره فليس منّا".
وهو عين ما أوصى به الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام حينما قال: "والله الله في جيرانكم، فإنّهم وصية نبيكم، مازال يوصي بهم حتى ظنّنا أنّه سيورّثهم".
ولم يكن ذلك من التأسيسات الإسلامية المتأخرة، إنما هي من أوائل ما تبناه النبي الأكرم، لما له من أهمية تستوجب منه منحها الأولوية في التخطيط للمشروع النهضوي بالمجتمع، لذا نراه سلام الله عليه كتب كتابه المشهور بين المهاجرين والأنصار ومَن لحق بهم من أهل المدينة، فجاء به "إنّ الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أُمّه"، بل وأعتبر عليه والصلاة والسلام إكرام الجار حالة ايمانية، فقال بخصوص ذلك: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره".
وهذا ما دعا له الإمام السادس جعفر الصادق عليه السلام حينما قال: "عليكم بحُسن الجوار، فإنّ الله عزَّ وجلَّ أمر بذلك"، بل ويرى عليه السلام بأن لحسن الجوار أثرٍ مادي ملموس؛ حيث قال عليه السلام: "حُسن الجِوار يعمّر الديار، ويزيد في الأعمار".
ولا يكون ذلك فقط من خلال كف الأذى عنه الجار، إنما بالصبر على أذاه! بغية المحافظة على علقة الجوار كما يقول بذلك الإمام السابع موسى الكاظم عليه السلام: "ليس حُسن الجِوار كفّ الأذى، ولكن حُسن الجِوار الصبر على الأذى".
وعلى كثرة هذه التوجيهات، سواء ما كان منها قرآنيا أو عصمويا، فقد أفرد الإمام الرابع ـ الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، بندا كاملا ضمن رسالته الحقوقية الكبرى، لتبيان حق الجار، بل واسس عليه السلام؛ منهجاً شاملاً متكاملا للتعامل مع الجيران مجسداً فيه السير طبقاً لمكارم الأخلاق التي بُعث النبي الأكرم صلوات الله وسلامه عليه لإتمامها، فقال عليه السلام : "وأمّا حق الجار فحفظه غائبا، وكرامته شاهدا، ونصرته ومعونته في الحالين معا، لا تتبع له عورة، ولا تبحث له عن سوءة لتعرفها، فإن عرفتها منه عن غير إرادة منك ولا تكلف ، كنت لما علمت حصنا حصينا وسترا ستيرا ، لو بحثت الأسنة عنه ضميرا لم تتصل إليه لانطوائه عليه، لا تستمع عليه من حيث لا يعلم، لا تسلمه عند شديدة ولا تحسده عند نعمة، تقبل عثرته، وتغفر زلته، ولا تدّخر حلمك عنه إذا جهل عليك ولا تخرج أن تكون سلما له ترد عنه لسان الشتيمة، وتبطل فيه كيد حامل النميمة، وتعاشره معاشرة كريمة، ولا قوة إلاّ باللّه".
وبذلك فأن الإسلام عدّ الجوار؛ ثاني عمدة الروابط الاجتماعي، ومنحها جل اهتمامه بغية إنشاء تركيبة مجتمعية سوية، ما جعل من الجوار الإسلامي حالة اجتماعية نموذجية.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م