15 ذو الحجة 1440 هـ   17 آب 2019 مـ 5:34 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أحكام مجتمعية |  اليتيم... في ظل الإسلام
2019-01-02   215

اليتيم... في ظل الإسلام

منذ أن أطلّ الإسلام بنوره على الجزيرة العربية التي كانت غارقة في ظلمات الجهل والظلم حتى جاء بالعدل والمساواة والرحمة والعطف، فأخذ بيد الضعفاء ليأخذوا حقوقهم كاملة من المستبدين الأقوياء، وكان في مقدمة هؤلاء الضعفاء: اليتامى؛ فشرّع حقوق اليتيم من وقت طفولته المبكرة حتى البلوغ؛ ووضع دستوراً كاملاً في رعاية حقوقه وضمانها. 
كما حفظت الشريعة المقدسة حقوق اليتيم المالية وأولت الاهتمام بهذا الجانب؛ لتحافظ على الرصيد المالي لهذه الفئة، كما أولتهم العناية بتوجيه النفوس إليهم في بقية المراحل الحياتية المعاشية والتربوية، وفرضت رعايتهم والعناية بهم على المجتمع، بل وكلفت كل فرد من أبنائه بذلك. 
ونرى العناية الإلهية تتجلى في أبهى صورها حينما تتبنى مشكلة تعاني منها المجتمعات في جميع الأدوار والمراحل التاريخية، فالأطفال الذين يفقدون اليد التي تحنو عليهم يبقون في مهب الريح العاتية ويكونون عرضة للرذائل والانحراف إذا لم يجدوا من ينقذهم من السقوط الاجتماعي، لذلك أحاطت الرحمة الإلهية اليتيم وأولته حصة وافرة من العناية لئلا ينشأ فاقداً للتوجيه ويصبح عاهة وعالة على مجتمعه، فإهمال اليتيم يساوي إهمال المجتمع وهدم كيانه.
وقد نال اليتيم حصة وافية في الآيات القرآنية الكريمة التي تعرّضت له، فقد جاء ذكره في اثنتين وعشرين آية أوضحت بيان شمول اللطف الإلهي لليتيم في الشرائع السابقة والإيصاء به وبيان حقوقه الاجتماعية والمالية، وهناك آيات كريمة تناولت بشكل خاص مراحل العناية باليتيم والتي أوصى الله سبحانه وتعالى بها.
فاليتيم الذي فقد كفيله وحُرم من العواطف الأبوية؛ أحاطت به الرحمة الإلهية ووهبته ما يعوّضه عن تلك العواطف، فقد نهت الآيات الكريمة عن التجاوز على حقوق اليتيم، والترغيب في مودته والتلطف له لئلا يشعر بالوحدة والانعزال؛ وكذلك حمايته من المستغلين، وجاءت هذه الرعاية من جملة بنود الميثاق الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل من قبل كما يحدثنا القرآن الكريم عن هذا الميثاق بقوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ))(البقرة ـ83)؛ فكانت هذه العناية من جملة القواعد التي يرتكز عليها دين الله القويم.
ولم تكتف الآيات القرآنية الكريمة بالإيصاء باليتيم والإحسان إليه، بل انتقلت إلى تطبيق ذلك كما في قصة النبي موسى مع العبد الصالح (الخضر) عليهما السلام عندما وجدا في سفرهما "جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ" وعندما استفسر موسى من الخضر عن الغاية من ذلك العمل وبخاصة أنه كان بدون أجر: "قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا"، جاء الجواب من الخضر عليه السلام "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ" فقد حفظ الله تعالى بعنايته لهذين اليتيمين كنزهما المذخور جزاءً على صلاح أبيهما ((فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا(78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا(82) وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا))(الكهف ـ 77 ـ83)).
كما نرى مجموعة من الآيات الشريفة قد خُصِّصت لمشكلة اليتامى؛ ومنها قوله تعالى: ((وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا))(النساء ـ2)؛ فإيتاء اليتامى أموالهم يكون بالصرف عليهم من ذلك المال في حالة الصغر وأما في حال البلوغ واستئناس الرشد منهم فيتحقق ذلك بتسليمه إليهم.
وأول شيء تعرّضت له الآية الكريمة هو ترك عملية تبديل أموال اليتامى، حيث كان سائداً في الجاهلية إن بعض الأوصياء على اليتامى كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم ويبدلونه بالرديء، وقد وقف القرآن الكريم ليردع هؤلاء ويحذّرهم من مغبة هذا التعدّي بقوله تعالى: ((إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))(النساء ـ10).
ثم يحدد سبحانه وتعالى التصرّف بمال اليتيم بقوله عز وجل: ((وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ))(الأنعام ـ152).
وقد ذكر الفقهاء في هذه الآية عدّة معانٍ منها: أن يكون بحفظ المال واستثماره في التجارة وتنميته؛ رعاية لحق اليتامى، أما عملية تسليم أموال اليتامى فقد حددتها الشريعة المقدسة، وجعلت لذلك وقتاً معيناً يكون بإمكان الولي أو الوصي التخلي عن هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه بدفع أموال اليتامى فقال عز وجل: ((وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا))(النساء ـ6)"
فالمراحل النهائية للمحافظة على مال اليتيم حددتها الآيات الكريمة بشرطين أساسين هما: البلوغ والرشد، ومن خلال هاتين الآيتين الكريمتين يتضح أن رفع الولاية عن الصبي اليتيم لا بد له من المقدرتين البدنية والعقلية، ولا يتم تسليم الأموال إليه في البلوغ فقط، حتى وإن اكتملت رجولته ما لم يكتمل نضوجه العقلي، حيث تصبح لديه القدرة الكافية لتمييز مضارّه من منافعه، وما يصلح له مما يفسده. 
أما الشرط الثاني الذي حددته الآية الكريمة في تسليم أموال اليتامى إليهم فهو الرشد، وهناك أقوال عديدة في معنى الرشد عند الفقهاء منها إصلاح المال ومنها صلاح الدين وغيرهما من الأقوال ولكنهم ــ أي الفقهاء ــ لم يحددوا سناً معينة للرشد على العكس مما فعلوه في تحديد البلوغ ومردّ ذلك إلى أن تحقيق الرشد يتبع الظروف الاجتماعية والنفسية لليتيم، وما اكتسب من خبرات وتجارب من بيئته ومجتمعه تهيؤه لتدبير حاله وإنعاش حياته والاعتدال في صرفه الأموال واستعداده لخوض غمار الحياة بعقلية موفورة، ويتم ذلك معرفة باختبار اليتيم الذكر بالتجارة وغيرها واليتيمة بالتدبير المنزلي والتصرّف الاجتماعي.
وفضلاً عن كل هذه الرعاية والعناية من الله تعالى لليتيم، فقد خصه الله تعالى بحقوق أخرى فشمله بالخمس بقوله ((وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(الأنفال ـ41).
فحينما تُسد أبواب الرحمة في وجه اليتيم ويئن من ألم الجوع ويتلهف إلى رغيف الخبز؛ كان حقاً على الله أن يُدخل الجنة من يمدّ يد العون له، كما حث سبحانه وتعالى الناس على إعطاء اليتيم حتى من الميراث الذي يتقاسمه أقرباء الميت بقوله تعالى: ((وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا))(النساء ـ8).
ففي كنف الإسلام؛ يأمن اليتيم، ويجد اليد التي تحنو عليه وتمسح على رأسه لتزيل هموم اليتم عنه وتضفي عليه هالة من العطف والحنان، كما يجعل الله سبحانه وتعالى عدم العناية باليتيم وإهانته سبباً لزوال النعم وإهانة لمرتكب ذلك العمل يقول عز وجل: ((فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ))(الفجر ـ15ـ16)، وهذه الاهانة سببها ان ذلك الانسان لم يكرم اليتيم ولم يؤد حقه من الايواء والانفاق لقوله تعالى بعد هذه الآية ((كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ))(الفجر ـ17)، مثلما أوصى الله تعالى بذلك ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ))(الضحى ـ9)، فقهر اليتيم وجفوه كان سبباً ايضا لأن يكون القاهر والجافي في نظر الآية المباركة هو المكذب بالدين ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ))(الماعون ـ1ـ2).
وإلى جانب هذه الآيات الكريمة التي ذكرها هناك أحاديث نبوية كثيرة وأقوال عديدة للائمة المعصومين عليهم السلام تحث على العناية باليتيم؛ حيث جاءت هذه الأحاديث الشريفة والروايات لتؤكد ذلك وتنبّه المتجاوزين ومن جملة هذه الأحاديث قول رسول الله صلوات الله عليه وآله: "من آوى يتيمًا أو يتيمين ثمّ صبر واحتسب كنت أنا وهو في الجنّة كهاتين". 
وجاء في وصية أمير المؤمنين الإمام علي لابنيه الحسنين عليهم السلام: "الله، الله! في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم".
كما قال الإمام الصادق عليه السلام: "إن أكل مال اليتيم يخلفه وبال ذلك في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فإنّ الله يقول: ((وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)) وأما في الآخرة فإن الله عزّ وجلّ يقول: ((إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))، كما عد عليه السلام أكل مال اليتيم من الكبائر. 
وهناك ما لا حصر له من هذه الأحاديث والروايات التي حثت على العناية باليتيم ورعايته، فالدين الإسلامي الحنيف يفرض على كل فرد من أبنائه كفالة اليتيم والعناية به؛ لبناء مجتمع إسلامي متكامل.


محمد طاهر الصفار

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م