18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 8:55 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | حقوق الإنسان |  حق الإنسان في الإسلام
2019-01-17   737

حق الإنسان في الإسلام

لقد جاء الإسلام بتعاليمه وقيمه وأحكامه؛ ليخلّص الإنسان من عبوديّة نفسه وغيره ممن سواه من البشـر، وأثبت له حقوق وواجبات كرّمه بها، ورفع قدره وأعلى شأنه، وأوّل تكريم للإنسان هو أن جُعله بأبهى صورة، وأجمل هيئة، قال تعالى: ((اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) (غافر ـ 64)، وقال أيضاً: ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) (التغابن ـ 3)، وبعد هذا التكريم من جمال الخلقة وبهاء الصورة، توالت الكرامات الإلهيّة والهبات الربانيّة على الإنسان؛ فوهب له عقلاً منيراً، مدبراً وهادياً يميّز به بين الحقّ والباطل، وبين الخير والشـر، وبين النافع والضار، وبهذا مُيز عن باقي المخلوقات بهذه النعمة التي كرّمه الله بها، ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) (الإسراء ـ 70 ).
وبعد كرامة الله على الإنسان من حسن الهيئة والصورة، وهبة العقل والمنطق، وغيرها من الكرامات؛ ألزم أفراده على حفظ هذه الكرامات والهبات بفرض حقوق وواجبات على الجميع.
وقبل ذكر جملة من هذه الحقوق والواجبات، يستدعي منا المقام أن نعرف معنى الحقّ.
فالحقّ في اللغة: هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، فقولنا: هذا أمر حقّ، أي: أمر ثابت لا يسوغ إنكاره، وأمّا في الاصطلاح فقد عرّف بعدة تعاريف، منها: بأنّه مصلحة ثابتة للفرد أو المجتمع أو لهما، يقررها الشارع الحكيم.
ومنها: ما ثبت بإقرار الشارع وأضفى عليه حمايته.
وعلى أي حال، فالحقّ ما أثبته الشارع وأقرّه على أفراد الإنسان، ومن حقوق الإنسان التي أقرّها وأثبتها هي:
1. حقّ الحياة: 
اهتم الإسلام بحق الفرد في الحياة بصورة كبيرة، وجعل أي اعتداء أو قتل لهذه الحياة ولفرد واحد بمثابة اعتداء وقتل لجميع البشـر، فليس من حقّ إنسان أن يعتدي على حياة إنسان آخر بغير حقّ، بل وليس من حقّ الإنسان نفسه أن يُنهي حياته وبأي وسيلة كانت، وتحت أي ظرف كان، قال تعالى: ((...مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً...)) (المائدة ـ 32)، وقال تعالى: ((وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيراً)) (الإسراء ـ 31 ).
2. حق حرية الفكر والرأي: 
دعا الإسلام إلى التفكّر وإعمال الذهن، والنظر إلى عجائب الكون، والتخلّص من سلطان الجهل وتحكّم الآباء، واستعباد العرف والتقاليد، وقد ضرب عبر القران أمثلة في ذلك، قال تعالى: ((أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ...)) (الأعراف ـ 185)، وقال أيضاً: ((وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشـِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) (الرعد ـ 3)، وبعد دعوة الإسلام إلى التفكر وإعمال الذهن والتطلع في أمر الكون، فان شطّ الإنسان عن ذلك وابتعد ولم ينظر بعين الحقيقة - وكما عبر القران الكريم: ((... لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا...)) (الأعراف ـ 179) – فإنّه لا يلزمه بفكر أو رأي أو دين، فله حقّ الاختيار وحرية الرأي، قال تعالى: ((وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...)) (الكهف: 29)، وقال أيضاً: ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ...)) (البقرة ـ 256).
3. حق المساواة: 
وهو من الحقوق التي أثبتها الإسلام للإنسان، ورفض التمييز العنصـري وحاربه، ومعنى المساواة هنا، هو: العدل والإصلاح بين الناس، وحين نقول: فلان ساوى في رعيته، أي: عدل بينهم وأعطى كل ذي حق حقه.
فالإسلام دين المساواة، أي: يعطي كل ذي حق حقه، وينصف الرعية، ويعتبر كل إنسان على ظهر البسيطة أهلًا لتقبل الحقوق والالتزام بالواجبات، كأي إنسان آخر، وأنّ كلًا من الأصل والجنس واللون؛ لا يمكن أن يفرّق بين إنسان وآخر أمام القانون: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ)) (الحجرات ـ 13)، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال لأمير المؤمنين: "يا علي، إنّ الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنّ الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم".
4. حق الملكية: 
الملكية فطرة في الإنسان، ومن حرم من الفطرة انحرف إلى غير الطريق السليم، ولقد قرّر الإسلام هذا الحقّ للإنسان، فلم يحرّمه البتة - كما في النظام الاشتراكي الماركسـي - ولم يترك الحبل على الغارب - كما في النظام الرأسمالي - ولكن يتم العطاء بضوابط عادلة تؤكّد مبدأ (لا إفراط ولا تفريط).
هذا وتتلخص نظرية الإسلام في الملكية في محورين: 
أ‌. إنّ المال مال الله وأنّ الله قد استخلف الإنسان على هذا المال، قال تعالى: ((قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِله ...) (الأنعام ـ 12)، وقال: ((... وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ...)) (الحديد ـ 7).
ب‌. دعا الإسلام إلى منع الاستغلال، وأكل مال الغير، وقال في ذلك: ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) (البقرة ـ 188)، وقال أيضاً: ((...لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)) (النساء ـ 29). 

الشيخ محيي الدّين كاظم الأسدي

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م