16 ربيع الثاني 1441 هـ   14 كانون الأول 2019 مـ 7:40 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  التوازي والتقاطع في المذاهب المعرفية وموقعية المتدينين منها
2019-01-29   1296

التوازي والتقاطع في المذاهب المعرفية وموقعية المتدينين منها

      كان وما زال المشككون بكل ما هو فوق التصور العقلي، والإمكان التجريبي (المختبري أن صح القول) يزعمون بأن كل ما لا يمكن تجربته، هو ضرب من خيال، بل وانه سفسطة ووهم، وهذا المنحى "العلمي" المتطرف في التثبت المعرفي دعم التجربة كأداة معرفية وحيدة للبحث والتحليل العلمي لدى التجريبيين. 
      وإذا صح هذا التوظيف ـ اقصد توظيف التجربة كأداة معرفية وحيدة في تحصيل المعلومة ـ فأن ذلك مما لا يمكن تطبيقه على كل العلوم، ومنه الماورائيات (الميتافيزيقا مثلا)، ما جعل المنصفون من العلماء يقبلون ـ بقدر ما يفرضه عليهم الحس ـ بالحس كمنطلق علمي قبالة التجريب غير الممكن، إذ إن التجربة لا تكفي دائما لتصديق المفاهيم واكتشاف العلائق بين موجودات الحياة، ومن ذلك مثلا اسرار الفلك وعجائب المخلوقات غير المادية، بل وأقرب من ذلك ماهية الحياة والروح ومآلها بعد الموت.
      وقبالة ذلك، فليست التجربة هي البرهان الوحيد على اثبات او نفي حقيقة ما، فللحس والملاحظة أولوية تساوي ـ وقد تفوق في أحيان كثيرة ـ ما للتجربة من قيمة برهانية. 
      والخلاصة في ذلك بأن طريقا التجريب والحس، طريقان سويان في التثبت والتحقيق من الطروحات العلمية والمتغيرات الحياتية، ونقلها من عالم الافتراض الى مساحة الممكن، وتقعيدها على اٍسس وقواعد علمية يمكن تسميتها بالقوانين والقواعد والمناهج العلمية. 
      حسيا، فأن النظر المعرفي (التفكير والتدبر) يمر بمرحلتين اثنتين، أولهما تكديس المعطيات العلمية وفقا للحس ـ فيما إذا تعطل الإمكان التجريبي ـ وثانيهما هو عقلنة هذه المعطيات وتخريجها بشكل منطقي.
      ولمن يسأل عن التسليم بالحس والملاحظة دون التجريب؟ ومدى الوثوق بهما كمنطلق علمي، نقول إن من قبل بالاتجاه الحسي لم يستغن عن التجريب أبد، ولم يقيل عقله للإعمال والتفاعل والتفسير المنطقي كمبدأ، إنما لجئ للحس بعد ان أمتنع عنه التجريب، ما جعل علماء المادة ـ كالطبيعة والفيزياء مثلا ـ في حاجة حقيقة ودائمية للتجريب من جهة والحس من جهة أخرى، وبالتالي العقل، فما بالك بالماورائيات التي تحتاج للحس فقط دون التجربة (حيث أن الملاحظ لدى هؤلاء العلماء انطلاقهم من الملاحظة المتولدة من التجريب وصولا للحس الناتج من العقلنة). 
      وكتسلسل زمني، فأن أي من العلماء لم يعاند ما يفرضه على العلم من موالاة بين مرحلتين اثنيتن لبحثة العلمي، الأولى الحس (كرؤية علمية تفلق من خلالها احتمالات كثيرة)، والثانية اثبات الحس بالتجريب (عقلنة الحس وعرضه على الخزين العلمي للعلاقات الترابطية بين الاشياء)، ومثالنا في ذلك، ما فعله نيوتن عندما "أحس" بسقوط تفاحة من الشجرة وجهة الأرض، وليس الى الأعلى فراح يبحث عن ذلك بالتجربة ليكتشف أن سقوط الأجسام للأرض مرده الجاذبية، وبالمقارنة مع ذلك، ومن خلال ملاحظته لعدم سقوط القمر على الأرض، توصل الى أن الجاذبية تقل بين القمر والأرض، وبالتالي فأنه ـ نيوتن ـ لم يحسّ بقوّة الجذب بين التفاحة والأرض بشكل مباشر (إحساس اولي ومباشر) كما انه لم يحسّ بأن قوة الجذب هذه تتناسب عكسياً مع مربّع البعد بين مراكز الاجسام المتجاذبة، وطردياً مع حاصل ضرب كتلتيهما، وإنما حسّ بالتفاحة وهي تسقط ارضا، ما جعله يفكّر (يحلل ويعقلن) سبب هذا السقوط ويفسره ويصل الى ما وصل اليه عبر تجارب كثيرة وقد تكون مريرة.
      ولما كانت وظيفة العلماء الماديين (التجريبيين)، أثبات العلاقة بين السبب والنتيجة من خلال حقل التجريب، في حين راح الحسيون يفلسفون القضية ويلبسوها ثوب الحس والربط الغيبي، جاءت فئة وسطية من العلماء ليطرحوا رأيهم بخصوص تحقيق المعلومة، وذلك من خلال تحكيم الحس مرة والتجربة مرة أخرى ومن ثمة عرضهما على العقل، وهو عندهم الحل السليم في توثيق المعرفة واستنتاج النتيجة، خصوصا وانهم حاولوا بذلك نصرة فكرة الأيمان بقوى العظمى (الله) بعد ان حاول الحسيين بنظرتهم الأحادية من تشتيتها وتوهينها، في وقت حاول الماديون نسفها من الأصل عبر مرجعية الصدفة والطبيعة. 
      وبذلك فأن الخلاصة هي أن من الماديين من أفرغ المعرفة من الحس، ومن الحسيين من أفرغ المعرفة من التجريب، في وقت تبقى فيه المعرفة البشرية عيالة على توأمة بين مرحلة تكديس المعطيات ـ ما كان منها عبر الحس أو من خلال التجريب ـ ومرحلة العقلنة لهذه المعطيات وتبريرها منطقيا وهو ما انتهجه الفئة العاقلة من العلماء، الوسطيين. 
      من جهة أخرى، نسف الماديون وجود المصمم العظيم والمدبر الحكيم (الله سبحانه وتعالى) بعد أن صيروا المعرفة البشرية وفقا لمفهوم الطبيعة وكونها هي التي أولدتنا بالصدفة من عدم، في وقت بذخ فيه الدينيون من ادلتهم في صيرورة الحياة لرب حكيم، مع افتقارهم أحيانا لما يمكن الاعتماد عليه من أدلة وبراهين وبشكل دائمي وموثوق وعقلي (ليس لعدم وجود هذه الأدلة بل لأنهم غيبوها ـ من الغيب ـ بالاعتماد على النص الديني المجرد)، خصوصا فيما يخص المعلومات والمعطيات العقلية ومدى إمكانية الوثوق بهذه المعطيات بدون عرضها على التجربة او الحس،
      مع العرض بأن ثمة معطيات في حياتنا، مما يتعامل معها الجميع حسيا وبشكل مسبق وموثوق من قبل الجميع على الرغم من عدم ماديته! وفقا لما يمكن تسميته بعدم التناقض البديهي، أي وفقا للأساس العقلي وبعيدا عما يمكن تسميته بالحس او التجارب، لأن كلتا الفرضين ليس لهما هنا من محل، ومن ذلك مثلا ما يحدث في علم الرياضيات، إذ أن اعتقادنا بأن (6×2) يساوي (12)، وهذه نتيجة لا يمكن الاقتناع بعكسها مهما كانت لدينا من شواهد وحسيات، لأن الرياضيات رياضيات وحسب، بل وأننا غير مستعدين لإعادة النظر باي نتيجة غير المعلنة ازاءه (12)، من قبيل (13) او (11)، وهذا ما يعني إننا نثق بمعلومة قد لا يمكن اثباتها حسيا أو تجريبيا.
      وقد يرى البعض إن كل من أصحاب الاتجاه المادي (التجريبي) من جهة وأصحاب الاتجاه الحسي من جهة ثانية وإصحاب الاتجاه العقلي (الوسطي) يتفقون جميعا على أن المعرفة لابد لها ان تتعكز على مرحلة تكديس وتجميع المعطيات المتأتية من التجربة او الحس ليردفوها بمرحلة العقلنة والعرض على المنطق، على أن لكل منها تفسيره الخاص خصوصا في مرحلة العقلنة. 
      إلا أن الدينيين هم أكثر فئة توفيقية بين الحس والتجربة والعقلنة، وهو ما يجعلهم يؤمنون بالماورائيات بقدر ما وإن كانون يوسمونها بالغيبيات وما فوق العقل البشري وقوانين إمكانه، وبالتالي فهم الأوفق حظا في اتساق معرفتهم ومن خلاله استقرار طروحاتهم كون الكثير منها ولادات لفهم أكبر من الفهم البشري، الا وهو الإفهام والإلهام الإلهي من خلال رسله وانبياءه وأوصياءهم.
      وهذا ما دان عليه القرآن الكريم، الماديين ممن يصر على تغييب وعيه الا لما يعيه هو وتفهمه حواسه ((وَلَـوْ نَزّلْـنَا عَـلَـيْكَ كِـتَابَاً فـي قِرْطَـاسٍ فَلَـمَـسُوهُ بِأيْـديهـِمْ لَـقَـالَ الـذينَ كَـفَـروا إنْ هَـذا إلاّ سِـحْـرٌ مُـبِينٌ)) (الأنعام ـ7)، في وقت أمن به حتى غير البشر ((إنَّا سَـمِـعْـنَا قُرْآناً عَـجَـبَاً يَهْـدي إلـى الـرُشْـدِ فآمَـنّا بِهِ))(الجن ـ1ـ2)، كون مصاديقه ـ القرآن الكريم ـ تحتمل الحس والمادة وبالتالي العقل ((إنْ هُـو إلاَّ ذِكْـرٌ لـِلـعَـالَـمـينَ لـِمـَنْ شَـاءَ مـِنْكُـمْ أنْ يَسْـتقـيم)(التكوير ـ 28).

عبد الحسن سلمان الشمري 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م