8 ربيع الثاني 1441 هـ   6 كانون الأول 2019 مـ 5:51 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | قادة محمديون (الأئمة وبعض الصحابة) |  الحسين والطف... معادلة الثورة والإصلاح
2019-02-17   846

الحسين والطف... معادلة الثورة والإصلاح

لم يسجل التأريخ على مر حقباته وسعة أحداثه، ثورة إصلاحية كتلك التي قادها الإمام الحسين عليه السلام، وذلك بالنظر لحجم التضحية فيها، ودوافعها وأسبابها التي كتُبت فيها وتكتب الاف الكتب، ناهيك عن إثرها الذي بقي حيا دفاقا لكل حالة وحادثة فيها مظلمة منذ حدثت واقعة الطف الأليمة والى ما يشاء الله.
وعلى الرغم من قدم هذه الثورة، وتجاوزها الألف وثلاث مائة وثمانين عام، إلا أنها ما زالت ايقونة لكل الثائرين قبالة الظلمة والجائرين، ـ أنى كانوا ويكونون ـ وهو ما يحفزنا للتعمق في أسباب ودوافع هذه الثورة التي يرى البعض بانها وئدت تعبويا ـ عسكريا ـ باستشهاد ثائرها واهل بيته، ومن معه من الصحب الأبرار، في وقت سجلت فيها انتصارا مبدئيا غير مسبوق، كونها بمثابة الشعلة التي يرفعها كل ثائر يردي لثورة البقاء والديمومة، بل وصارت إنموذجا ليس له مثيل يصلح تطبيقه لكل أنسان مهما اختلف دينه وانتماءه، إذا ما كان الحق مطلبه.
ولعمق واقعة الطف، وبعدها التضحوي من جهة، وما خلفته من صدمة في النفس الإنسانية ـ كنتيجة لبشاعة الفعل الأموي ـ نحاول هنا في سطور قليلة وعلى سبيل الاقتضاب ان نوجز الدوافع الإصلاحية التي قصدها الحسين الثائر عليه السلام، من ثورته، وما يمكن ان يُرد به على كل من يرى في هذا الثورة انتحارا بداعي قلة عدد وعديد العصبة الحسينية ـ والحال هم لا يتجاوزون 73 فردا في أفضل الأحوال قبالة ثلاثة الاف او عشرة ألاف وربما سبعين الفا، ـ وهو قراءة سريعة في الأسباب التي يمكن أن يستشفها كل ذو بصر ـ ولو بشكل سريع ـ لداعي صورة الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، حيث يمكن أن نبين ذلك فيما يلي:

ـ تطبيق الأمر الإلهي.
ما زال القرآن الكريم ومن بعده السنة النبوية الشريفة، يوصيان بضرورة مجابهة الظالمين وإعانة المظلومين، والإصلاح في الأمة الإسلامية من خلال مجابهة الطواغيت والظلمة وعدم الركون إليهم ((وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ))(هود ـ113)، فضلا عما أوصى به النبي محمد صلوات الله عليه وآله الإمام الحسين يوم قال: "أمرني رسول الله بأمر وأنا ماضٍ له"، ويقصد كربلاء المقدسة، وهذه سبب منطقي بطبيعة الحال كونه تنفيذا للإرادة الإلهية والمشيئة الربانية في مجابهة الطاغوت.

ـ القيام بالمسؤولية الشرعية الملقاة على عتق الإمام باعتباره تتمة النبوة.
تُتمم الإمامة النبوة، فلها ما لها وعليها ما عليها، إلا بفوارق بسيطة كالوحي مثلا، وبالتالي فبقدر ما تُلزم السماء رسلها وانبياءه بضرورة إصلاح المجتمعات التي يرسلون اليها وتكون محط حركة رسالاتهم ومنطقة التغير الذي تنشده السماء، تُلزم النبوة امتدادها الطبيعي ـ الإمامة ـ في ذات المسؤولية، لئلا تزيغ المجتمعات عن الجادة الصواب، خصوصا وأن الإمام ـ إي إمام كان ـ له مركز اجتماعي إن صح التعبير، وبالتالي منصب تكليفي إصلاحي، حيث أنه يؤدي ذات الدور الذي يؤديه الأنبياء، وذلك ما فعله الإمام الحسن المظلوم عليه السلام كتتمة للدور المحمدي، حيث أنه عليه السلام قام بالإصلاح ابتداء وفقا لقاعدة المحاججة والإصلاح المجتمعي بالتغيير الناعم والتثوير الهادئ والتهيئة للثورة الكبرى لأخيه الإمام الحسين عليه السلام، ليقوم بواجبه في منع الظلم وتحفيز الإمة للانقضاض عليه ولو بعد حين. 

ـ دعم الجماهر المظلومة. 
عانى المسلمون في الشام آبان السلطة الأموية، ظروفا صعبة، ليست على الصعيد المعيشي فحسب، إنما من جهة الفحش والطغيان الذي مورس ضدهم من قبل الحكومة الأموية، ناهيك عن اشتغال هذه العصابة على معادلة تمييع الدين الحق لدى هؤلاء المسلمين من خلال ابتداع البدع في دينهم، وتزوير الحقائق فيه، وتحريك الثوابت، ما حدا بهذا الجمهور للبحث عمن يعيد لهذا الدين السمح رونقه ويقوض المشاريع التي تريد حرفهم بحرف دينهم، بل ومن ينقذهم من حكومة الطغمة الفاسدة، وبالطبع لم يجدوا أفضل ممن عاصر النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، وعايش إرهاصات التغيير الجذري الذي أقامه الإسلام فضلا عن قيمته السماوية كإمام للأمة بالنص، وبقية نَسَبية للرسول الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله، ما يجعل تحقيق مطلب هذه الجماهير في الثورة على الظلم الأموي مما لا يرُد خصوصا وأنها ـ الجماهير ـ كانت قد كاتبت إمامها الحسين عليه السلام وطالبته بالنصرة والعون، وهو ما منح الحراك الحسيني صفة "قانونية" وشرعية قوامها نصرة المظلومين وإصلاح الدين، ناهيك عن إن مآل السلطة الأموية صار الى أنتشار الظلم وفقدان الأمن في البلاد الإسلامية، ناهيك عن تحقيرهم للناس واستضعافهم لهم، للعمل في البلاط الحاكم وحواشيه فضلا عن وسلبهم ما يملكون، وتصييرهم عبيدا لبني أمية. 

ـ تصويب العوج الذي كانت عليه السلطة الأموية.
تسلط الأمويين على رقاب الشاميين، باسم الدين، وهو منهم براء، فراحوا يعيثون في البلاد فسادا، في وقت كانت الفاصلة الزمنية بين النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله وهذا الانحراف مسيرة جيل واحد ليس إلا، فكانت اللازمة والضرورة تدعوان الإمام الحسين عليه السلام للثورة على هذا الانحراف إصلاحا للأمة المحمدية، فراح يوثق لهذا الهدف السامي من خلال خطبته لحظة انطلاقه صوب كربلاء بالقول "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي"، خصوصا وأن هذا الانحراف في قمة الهرم السلطوي ـ في الشام ـ ما قد ينعكس سلبا على الناس هناك، بل ويتعكس على المتعاطفين مع الإسلام والداخلين فيه مؤخرا، وهو ما يتطلب ثورة سريعة تعيد الأمور الى نصابها، وتقوم الاعوجاج وتصوب المسار.

ـ الحد من طموح السلطة الأموية ورغبتها بإذلال الإرث المحمدي المتمثل ببقيته من أهل بيته.
ما أن تسلط يزيد بعد موت ابيه معاوية، حتى راح يخطط للقضاء على البقية المحمدية من خلال القضاء على أهل بيته، وهذا ما أكده عليه السلام في تبيان نوايا الحيش الأموي حين قال: "ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله، ونفوس أبيّة، واُنوف حميّة من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام"، وبالتالي فأن للأمويين مشروعا اجتثاثيا كان قد أسست له العائلة الأموية يوم كانت تظن عدم أحقية آل النبي محمد صلوات الله عليهم أجمعين من الجمع بين النبوة وقيادة للإمة على الرغم من علمهم بأحقية الآل بالقيادة لما تمتله من عدالة وإنسانية، وذلك كان جليا أيام خلافة أمير المؤمنين الإمام علي والإمام الحسن عليهما السلام قبالة تسلط معاوية على رقاب المسلمين في الشام، وهو ما حتم على الحسين الثائر عليه السلام من فضح هذا المشروع ومقاومته بطريقة غير عادية ـ حتى لو أدت الى استشهاده ـ لعلمه بأن قيمة هذا الشهادة سرعان ما ستأتي بأكلها في صناعة مجتمع إسلامي أبي.
من جهة أخرى، فقد أسست هذه الثورة المعطاء لرد صارم على كل من يحاول أن يشوه القيم الإسلامية ويمحو ذكر أهل بيت العصمة عليهم السلام، بل وأنتجت التفافا غير مسبوق حول بقية النبي الأكرم ـ وأن كان هذا الالتفاف بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ـ إلا أنه بات معلما مهما في سبيل كل من ينشد الحرية.
كل ذلك، وغيرها من الأسباب الفقهية والشرعية والمجتمعية، تشكل بمجملها، دوافعا شرعية للثورة الحسينية، وبالتالي يجعل من هكذا أسباب مدعاة للثورة في أي زمان ومكان، حتى وإن خسرت عسكريا، لأنها لا محالة ستأتي بنتائجها المرجوة في أجيال أخرى، وهو ما حدث من الثورة الحسينية، وتحصيلات الأجيال المؤمنة بعدها ولحد اللحظة.

 

عبد الحسن سلمان الشمري

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م