16 ربيع الثاني 1441 هـ   14 كانون الأول 2019 مـ 8:40 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أفكار ونظريات |  العبادة وسبل التكامل الروحي للإنسان
2019-02-20   237

العبادة وسبل التكامل الروحي للإنسان

يتمحور مفهوم العبادة بين أن يكون سلوكا روحيا يتمثل بالأعمال الخاصة التي اوجبها الخالق على عبده، وبين أن تكون توصيفا للطاعة المطلقة التي يبديها الفرد قبالة خالقه بخضوع وتذلل، وبالتالي فهي ـ العبادة ـ حالة معينة يتوجه بموجبها المرء روحيا نحو قوة عظمى، قد تكون أوجدته من عدم وخلقته تخليقا مبدعا كالموحدين مثلا او تسنده وتدعمه كمن يتخذ غير الله ربا، مع استشعاره بالصغر والحقارة بين يدي تلك القوة، وبمعنى أدق، فالعبادة بالنسبة للموحدين هي آليات سير العبد نحو خالقه سبحانه وتعالى.
لغويا، اشتُق مصطلح العبادة من الفعل "عبد" "يعبد" بمعنى خضع وتذلل، ومنه "استعبد فلان فلانا" أي أتخذه عبدا، أما اصطلاحا (حسب من يؤمن بالله الواحد الأحد)، فإن للعبادة معنيين أثنين، عام، حيث يراد بها كل فعل وقول خيري، بل وكل حركة يقوم بها العبد امتثالا لأوامر المولى تعالى وانتهاء بنواهيه، وهي بذلك تشمل السلوك العبادي (الطقسي) والمعملاتي (العقدي)، في حين يراد بها بشكل خاص، مجموعة الأعمال التي فرضها الله على عباده مشروطة بنيتهم للامتثال قربة لله، وبالتالي فهي لا تصح ولا تُقبل إلا إذا احتوت نية الامتثال قربة لله.
وبذلك فأن العبادة بحد ذاتها، غاية الغايات من الخلق والإبداع الإلهيين، أي غاية خلق الله لخلقه، بل وأبعد من ذلك، إنما سمي الناس عبيدا باعتبارهم عابدين لله، وغاية وجودهم هو عبادة خالقهم ومعبودهم، بل وينسحب الأمر لغير الإنسان، حيث أن باقي المخلوقات عابدة لله تعلى كذلك، ولو بواحد من طريقين، إن لم يكون بكليهما، إما بالتسيير كالأرض مثلا ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(((فصلت ـ39)، ((ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ))(فصلت ـ11)، ((إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا))(مريم ـ 93)، فضلا عن الشمس والقمر والجبال والدواب ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ))(الحج ـ18)، أو بالتخيير كالإنسان مثلا ((مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))(المائدة ـ107)، ((......... إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)) (غافر ـ44).
وكما يحتاج الإنسان ـ حسب علم الاجتماع ـ لضرورات وجوده من مأكل ومشرب (بوصفهما لازمين لحياته)، وجنس (كآلة لاستمرار نوعه)، فإنه يحتاج لإقناع نفسه بأن ضعفه يستقوي بقوة ما، تحميه وتنصفه من الطبيعة ومن الأخرين، بل وحتى من نفسه! من خلال اللجوء لهذه القوة عبر واسطة العبادة والخضوع.
وعلى اختلاف تعريف هذه القوة العظمى، بين من يراها في الله سبحانه وتعالى كالموحدين، ومن يراها وهماً بالطبيعة، ومن يختلق لنفسه إلها! ربما من صنع يديه، فأن الإنسان مجبول على التعكز على قوة ما، تُشعره بالأمان، وتوفر له ملاذا روحيا، وهو ما يدفعه للتودد لها والتقرب منها بطقوس وشكليات تسمى بـ "الأفعال العبادية"، وبالتالي فإنها ـ العبادة ـ ملاذ لحاجات الإنسان الروحية والنفسية، في حين تكون عدم "عبادته" سببا مخلا لتوازنه الوجداني والروحي باعتبار إن العبادة حاجة ضرورية، يؤدي عدم توافرها الى اضطراب ما، ولو بعد حين، حيث لا تعوضه الاحتياجات المادية عما تغذيه عبادته وتمتلئ بها حاجاته الروحية، كونها غذاء الروح، في وقت لا يكتفي فيه بها دون تحصيله للاحتياجات المادية، وبالتالي فأنهما ـ الاحتياجات الروحية (العبادة) والمادية (السلوك والغرائز) لازمتان ضروريتان للإنسان، إنى كان هذا الإنسان.
وعلى اختلاف مشارب الناس فيما يعبدون، تبقى الديانات التوحيدية (الديانات السماوية الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلامية)، أكثر الديانات تأثيرا على الناس، وبالنتيجة أكثر تعبدا من قبلهم، وأعمق أثرا في نفوسهم، فضلا عن كونها الأكثر ثباتا، ففي الوقت الذي تستحدث فيه ديانات وربما كنائس وضعية ـ لا يراد بالكنسية هنا بمعنى بيت العبادة في الديانة المسيح، إنما مركز تجمع ديني ـ كالكنيسة المارادونية (نسبة للاعب كرة القدم الأرجنتيني الشهير ديغو مارادونا)! فأن وجودها مستحدث وبقاءها قصير الأمد، ما يجعل الديانات السماوية أكثر واقعية بل وأكثر وقعا في نفوس مريديها.
وبعيدا عن كون سر خلق الله لخلقه من الإنس والجن، يكمن في العبادة ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ))(الذاريات ـ56)، فإن ترك الإنسان عبادة ما كان يعبده ولو فطريا (وحديثنا هنا عمن يعبد الله الواحد الأحد) سيترك في نفسه نقصا لا تسده أي تعويضات أخرى، ما يجعل العبادة بناء تكامليا للإنسان، بل وطريقا معبدا للترقي، بعد أن تربطه تلك العبادة بروحية الإيمان بخالقه وبارئه وصولا للربط على قلبه بالسكينة والأمان ((نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى))(الكهف ـ 13)، لتوصله تلك العبادة لليقين وحقيقة وجوده ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(الحجر ـ 99).
من جهة أخرى، فأن الله سبحانه وتعالى يتحدى عباده في إيجاد ربا كفوء له ((رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (((مريم ـ 99)، لتثبت التجارب أن كل ما دون الله الى زوال، والمسيرة البشرية حبلى بإسقاطات الربوبية الوضعية والمختلقة من الإنسان، وهو ما يجعل عبادة الله وحده هي العبادة الحقة، كونها تمنح الفرد طمأنينة وجوده، ناهيك عما تمنحه له من حسن عاقبة. 
أما ما يخص آثار العبادة، فأول ما يمكن الوقوف عنده، هو تحصيل العبد لليقين، ((واعبد ربك حتى يأتيك اليقين))(الحجر ـ99)، يقين الحقيقة، خصوصا بما يتعلق بسببية خلقه ونشأته ومآله، وبخلاف العبادة هذه، يبقى المرء مترددا بالشك ومتوهما بالظن، مما يعانيه اللا دينيين واللا أدريين، ((إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ))(التوبة ـ45)، ((لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))(التوبة ـ 110).
ولكل ذلك، فأن للعابد هدف نبيل وغاية سامية وآلية وصول لتلك الغاية والهدف، على العكس تماما لما يعانيه المعاند بعبوديته للخالق الجبار من تيه وضياع. 

ظافرة عبد الواحد خلف

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م