18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:31 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | النبوة |  الخصوص والعموم بين النبي والرسول
2019-02-21   113

الخصوص والعموم بين النبي والرسول

بين أن يكون المصطفى والمجتبى من الله "نبيا" أو "رسولا"، ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) (آل عمران ـ33 ـ34)، ((أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا))(مريم ـ58) فوارق وصفات، بل وبينهما عموم وخصوص، وهذا ما ألبس على البعض، خصوصا من لم تُبنى عقيدته على المعرفة الإسلامية المتخصصة، ويزداد اللبس على هؤلاء إذا ما عرفوا أن بعض الأنبياء عليهم السلام كانوا رسلا في ذات الوقت.
ولفك التشابك في هذه العلاقة، لابد من تعريف لكل منهما، من وجهة لغوية مرة واصطلاحية في ثانية.
فالنبي من "نبّأ" و "تنبأ"، وبالتالي فهو حامل النبأ من السماء لينبأ به، وجمعهم "نبيون" و "أنبياء"، والأصل في النبي لغويا هو نَبِيء عن الله تعالى (المخبر عنه)، وقد تَرْكُت الهمزةِ منه لثقلها، والاسم منها "نُّبُوءَةُ" و"نبوة" و"نبي"، وقد تنبأ فلان أي ادعى ومن ذلك القول "المتنبيء" و"المتنبي".
أما الرسول، فمن "رسل" وهو القطيع من كل شيء، كما تعني الرفق والتودد، ومنه الشعر المسترسل، وناقة مرسال أي سهلة المسير، والسهم المرسال أي الموجه، ويستوي في ذلك المؤنث والمذكر، فكلاهما رسول، وهو من يحمل رسالة من هذا لذاك، ورسول الله هو من يرسله الله لعباده برسالة سماوية.
إما اصطلاحا، فأن النبي هو من يحمل النبأ من الله سبحانه وتعالى الى عباده، مع ما يمتاز به من إنه ـ النبي ـ له شرف العلم بالله وبما عنده، في حين إن الرسول اصطلاحا هو من يحمل رسالة سماوية من الله صوب عباده، مع شرف الطاعة لله.
من جهة أخرى، فبين النبي والرسول عموم وخصوص، بدء من كون النبي مبعوثا من الله سواء أُمر بالتبليغ أم لم يؤمر، في وقت يكون فيه الرسول مأمورا بحمل وتبليغ رسالة ما من الله الى عباده.
وعلى هذا فتعدد الأنبياء وكانوا كثر، في وقت اقتصر الرسل على عدد من حمل رسالة سماوية كالرسالة اليهودية (الموسوي) والرسالة المسيحية (العيسوية) والرسالة الإسلامية (المحمدية) وغير ذلك، على حامليها أفضل الصلاة وأتم التسليم. 
وعلى العموم، فأن كلاهما (النبي والرسول) مرسل من الله، لحمل شيء ما (نبأ او رسالة) ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ......)) (الحج ـ 52)، وبالتالي فأنهما مرسلان من الله للعباد بأمر ما، مع تخصص النبي بإنباء الناس بما لديه من أنباء الغيب كونه بها خبيرا من الله، في حين أن الرسول يحمل لهم رسالة خاصة، تضاف لكونه يُنبأهم بالنبأ.
من جهة أخرى، يبين النبي للناس معايشهم ومعادهم وحياتهم من حيث الابتلاءات، او ما يمكن التعبير عنه باصول الدين وفروعه، عناية من الله بعباده، في حين يحمل لهم الرسول رسالة مخصوصة من بارئهم مشتملة على حجة الله عليهم، يما يستوجب عليه هلاكهم وتعذيبهم في حال خالفوها ((رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا))(النساء ـ165).
وقد ميز الإمام الجواد عليه السلام بين النبي والرسول بالقول: "النبي الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك".
وعلى كل ما مضى، فأن الفرق الجوهري بين النبيّ والرسول هو أن الرسول أخص وأعلى رتبة من النبي بما يحمله من رسالة ربه لعباده، وبالتالي فيتحمل عنها التبليغ والهداية، وهو مما لا يستوجب في النبي، إلا أنهما يتفقان من حيث الإيحاء لهما من خلال الوحي، وإن اختلفت آلية ذلك، إذ يوحى للنبي من خلال نومه ورؤياه، دون المشاهدة العيانية التي يختص بها الرسول، الذي يمكن له أن يرى الملك جبرائيل عليه السلام لتلقي الوحي منه بشكل مباشر وشفاهي. 
وعلى هذا، فمرتبة النبوة اقل شأنية من الرسالة، ما يجعل الرسول أعلى درجة ومقاما من النبي، وكلاهما أعظم. 
وقد يكون النبي رسولا بمرتبة متقدمة ولاحقة، وقد يُكتفى بكونه نبيا، وممن جُمعت لديه النبوة والرسالة هو النبي أبراهيم عليه وعلى آله الصلاة والسلام ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا))(مريم ـ41)، والنبي إسماعيل عليه السلام ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54))(مريم ـ54) وكذلك النبي موسى عليه السلام ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا))(مريم ـ51) والنبي محمد عليه وآله الصلاة والسلام ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ))(آل عمران ـ144) و((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))(الأعراف ـ157) ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا))(الأحزاب ـ40).
وقد يتصالح على التعبير بأن الأنبياء والرسل لكل منهما كتاب، وهو تعبير مجازي، وإلا فأن ليس بالضرورة لهم جميعا كتب سماوية كما هو متعارف به كما التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، ((انَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ))(البقرة ـ213)، ولكن مراد ذلك هو إنهم يحملون البلاغ الإلهي، مع تمييز الرسول برسالته والنبي بنبوته، وعلى العموم فإن كل مبعوث من الله بالأرسال الى الناس نبي، وإذا كان لهذا النبي رسالة مخصوصة، صار رسولا.  
وقريب من ذلك، فإن الإمامة مرتبة قد تتقدم على النبوة في وجوه وتتأخر عنها في وجوه ((وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))(البقرة ـ124).

ظافرة عبد الواحد خلف 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م