18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 10:06 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات في القرآن الكريم |  تقريب وتعريف القرآن الكريم
2019-02-22   213

تقريب وتعريف القرآن الكريم

يَعتبر المسلمون «القرآن» كتابهم المقدس الذي أنزله خالق الكون والوجود على نبيّه محمد بن عبدالله صلّى الله عليه وآله وسلم، والواسطة بينهما في النزول هو الملك جبرائيل علیه السلام، كما أنّهم يعتقدون بأنّ كل ما يحتويه القرآن من ألفاظ ومعانٍ هو من الله، ولا دخل للنّبيّ محمد صلّى الله عليه وآله وسلم في صياغته أو الزيادة فيه بلفظ أو أكثر، وكذلك لا دخالة لأحد من المخلوقات في الزيادة أو النقيصة فيه، فكل ما يحتويه القرآن هو منزّل من قِبَل المولى تعالى على نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ليوصله كرسالة من السماء إلى جميع البشر، وليكون هذا الكتاب مصدرًا معرفيًا لمن يؤمن به، ومرجعا لاستلهام المناهج المنظّمة لحياة بني الإنسان على المستويين الفردي والجماعي. 
ومن خلال معرفتنا لهذا الكتاب وما يحتويه، يمكن لنا أن ندّعي مطمئنين، بأنّ من المميّزات الهامة لهذا الكتاب عن غيره من الكتب التي تعتبر دينيّة مقدسة، هو كون ألفاظه ومعانيه كلها قادمة للنّاس من الله عزّ وجلّ، ولا دخالة لأي مخلوق في صياغتها أو وضعها، ودور المخلوق لا يتجاوز النّقل والإيصال، فلو عدنا للبحث عن تعريفِ ما يُطلق عليه مفردة «القرآن»، سنواجه مشكلة كون مفردة القرآن في الاستعمالات الشرعية وكذلك العرفية عند المسلمين، تارة تُطلق ويراد بها خصوص اللّفظ، وأخرى تطلق ويراد بها خصوص المعنى، وثالثة تُطلق ويراد بها مجموع اللّفظ والمعنى، بل قد نجد عند المسلمين بعض الأحكام الشرعية المتعلّقة بخصوص اللّفظ، وأخرى متعلّقة بالمعنى، وثالثة متعلّقة باللّفظ والمعنى معا. 
فحكم "عدم جواز لمس القرآن الكريم بدون وضوء"، متعلق بخصوص الألفاظ، لوضوح حقيقة أنّ ماهية المعاني لا تُدرك بحاسة اللّمس، وكذلك حكم "لزوم العمل بوفق ما في القرآن"، فهو حكم متعلق بخصوص المعاني دون الألفاظ، وذلك لوضوح أن لزوم العمل لا يتعلّق بالألفاظ، بل بالمعاني التي هي خلف الألفاظ، أمّا بخصوص الأحكام المتعلّقة بالألفاظ والمعاني القرآنية معا، فنجد مثلا: "لزوم الاعتقاد بأنّ القرآن هو كلام الله"، وذلك لوضوح عدم تمامية وصحّة الاعتقاد بمجرد أن نُقِرّ بنسبة الألفاظ دون المعاني لله، والعكس كذلك.

المعنى اللّغوي والاصطلاحي للفظة «القرآن» 
ولكن قبل الوصول للحديث في التعريف الاصطلاحي الجامع للقرآن الكريم، لابد لنا من الكلام حول التعريف اللغوي والاشتقاق الجذري للفظة «القرآن»، فعند البحث والتحقيق، نجد أنّه وقع الاختلاف بين أعلام المسلمين بداية في ماهية هذه اللفظة وهل أنّها مشتقة من جذر لغوي آخر، أم أنّها وضعت كما هي على معناها؟ وفي الجواب نجد رأيين اثنين: 

الرأي الأول: هو الذي نزع نحو القول بعدم الاشتقاق، واعتبر لفظة «القرآن» اسم علم، وضع بدون اشتقاق على كلام الله عز وجل، وبالتالي فهو من قبيل المرتجل عند العرب، وهذا القول ينسب للشافعي وتبعه في ذلك جماعة.

الرأي الثاني: وهو الذي ذهب أصحابه للقول بأنّ لفظة «القرآن»، مشتقة من جذر لغوي آخر.
وعند أصحاب الرأي الثاني، نجد الاختلاف الثاني، فأصحاب هذا الرأي اختلفوا لعدة آراء في تحديد الجذر اللغوي الذي منه اشتقت لفظة «القرآن»، وبالتالي فمنهم من ذهب للقول بكونها مشتقّة من «قَرَنْتُ الشيءَ بالشيءِ» أي ضممته إليه، لوضوح أن السور والآيات فيه مُنضَمٌ بعضها إلى بعض، وهذا القول منسوب لأبي الحسن الأشعري وجماعة، ومنهم من ذهب إلى كونها مشتقّة من القَرَائِن، لأنّ الآيات فيه يُصدِّق بعضها بعضًا، وهو منسوب للفرّاء وتبعه جماعة، ومنهم من قال هي مشتقّة من القَرْء الذي يعني الجمع، كأن يقال: «قَرَأت الماء في الحوض » وهو وصف على وزن فعلان، وهذا القول منسوب للزجّاج وتبعه كذلك جماعة، ومنهم رجّح كونها مشتقّة من القِرَاءة، وهو مصدر مهموز على وزن غفران، وهذا القول منسوب لأبي الحسن اللّحياني الكوفي، وتبعه جماعة أيضًا.
والأعجب من العجب هو قول جملة من الكتّاب الغربيين، بأنّ لفظة «القرآن» مشتقة من اللّغة السريانية الآرامية، وبالتحديد من لفظة: «قرنايا»، والتي تطلق على قراءة أو دراسة الكتاب المقدس، معتمدين في هذه الدعوة على التشابه النطقي، وكذلك الأسبقية الزمنية للّغة السريانية مقارنة باللّغة العربية، متجاهلين حقيقة وحدة الجغرافيا بين أبناء اللغة العربية والسريانية، وبالتالي فالتقارب في النطق هو أمر مفترض بقوة بدون أن يرجع أحدهما للآخر، وكذلك يتجاهلون وحدة المنشأ والأصل بين اللّغة العربية والسريانية، فهما من اللّغات السامية، ناهيك عن تجاهلهم حقيقة أنّ اللّغة في وجودها ترتبط بمن يتكلم بها، وما نسميهم اليوم بالعرب هم امتداد لتلك الشعوب الموغلة في القِدَم، والتي سكنت الجزيرة العربية من جنوبها لشمالها، وكان لهم توسع جغرافي إلى شمالِ شمال الجزيرة العربية، وهم الكنعانيون (الفينقيون)، الذين توسعوا في مرحلة من مراحل ما قبل الميلاد  إلى شمال إفريقيا، وهم المسمون بالقرطاجيين. 
ونحن هنا، وبلحاظ أنّ أصل مطلبنا هو تحديد المعنى الاصطلاحي للفظة «القرآن»، فلا نتوقف عند نكتة الاشتقاق من عدمه، أو تحديد الجذر الفلاني دون الآخر، فبهذا اللحاظ لن ندخل في مناقشة هذه الأراء وترجيح الرأي الأكثر رُجحانًا، وبالتالي فسننتقل للكلام حول المعنى الاصطلاحي للفظة القرآن.  
فبناءًا على ما أوضحناه في مقدمة هذا المقال، حينما تحدثنا على تعدد مَصَبَات النظر في استعمال لفظة «القرآن»، سواء كان ذلك في الاستعمالات الشرعية أو العرفية، وبناء على ذلك، نقول: أنّ لفظة «القرآن» قد تُطلق ويُراد منها أمر من ثلاثة:
الأمر الأول: خصوص الألفاظ القرآنية دون معانيها، كالقول: لا يجوز لمس القرآن بدون وضوء.
الأمر الثاني: خصوص المعاني القرآنية دون ألفاظها، كالقول: قرأ القرآن ولم يعمل به.
الأمر الثالث: مجموع الألفاظ والمعاني معا، كالقول: القرآن كلام الله.

وعليه، ولنجمع بين كل هذه الأمور، وبالتالي نضع تعريفا صالحا لأن يكون جامعا لكل الأحكام المتعلّقة بالقرآن، لا بد لنا أن نقول: أنّ القرآن هو مجموع ما احتوته السور التي بين دفتي الكتاب من ألفاظٍ ومعانٍ، ابتداء من الفاتحة وانتهاءً بالنّاس، فذلك كلّه ينطبق ويصدق عليه لفظة ومفهوم «القرآن»، الذي هو موسوم بكونه كتاب الله المنزّل على نبيّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ليوصله لكافة بني الإنسان، ليهتدي من خلال مضامينه وما تحتويه من معارف، كلّ مَن طلبها وأنصت ثم سلّم بها.

حبيب مقدم 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م