18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 10:07 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات في القرآن الكريم |  السفر الإلهي الخاتم... قراءة في كيفية نزول القرآن الكريم ومراحله
2019-02-28   356

السفر الإلهي الخاتم... قراءة في كيفية نزول القرآن الكريم ومراحله

لا بد لمن يسمع بعبارة "نزول القرآن الكريم على النبي محمد صلوات الله عليه وآله"، أن تتشكل بذهنيته صورة معينة حول هذا "النزول"، وربما يتخيل حتى آلية ذلك، بناء على فاعلية العقل البشري بالمقاربة بين اللفظ وما يمتلكه من صور معينة تندلق بذاكرته على أساس مدخلته من صورة ذهنية ذات علاقة بالكلمات والأسماء والألفاظ بشكل أعم، خصوصا وأن العبارة جاءت بشيء من العموم الذي يحتاج الى فك الالتباس فيها. 
ولمن يرى في شكلية وماهية هذا النزول، لا جدوى بالقياس مع أهمية النزول مجملا، أي أنه لم يهتم بآلية النزول والاكتفاء بمضمونه، نقول إن مقالنا هذا رد لمن راح يشطح ويغرب ويشرق في خياله، حتى وصل الى افتراض أنه نزله مجملا كمفهوم وليس نصا، وترك التصرف فيه للنبي محمد صلوات الله عليه وآله بما في ذلك زمن النزول وسببه، فضلا عن تسلسل الآيات ضمن السور القرآنية والسور ضمن بعضها في المصحف الشريف ككل.  
وقد تحدث القرآن الكريم من خلال جملة من آياته الشريفات، عن زمن نزوله وكيفيته، وهو ما يمنح هذا الموضع أهميته، فمن حيث التوقيت السنوي، أنزل الله كتابه الكريم في شهر رمضان المبارك ـ وتسمية رمضان موجودة ضمن أسماء الشهور حتى قبل الإسلام ـ ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))(البقرة ـ185)، وبالتحديد منه ليلا ((حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)  أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6))(الدخان ـ 1 ـ 6) ـ وقد سميت هذه الليلة منه بليلة القدر((إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ))(القدر ـ 1).
اما عن كيفية نزوله، فقد أوضح ذلك القرآن الكريم نفسه، ومن ذلك أن الله يكلم نبيه من خلال الوحي ـ والوحي لّغة هو إعلام الهي سريع وخفي ـ وليس بشكل مباشر، ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)) (الشورى ـ51)، وما هذا الوصف إلا لتمييز هذا النزول عن نزولات أخرى، وعلى اختلاف عملية الإيحاء، فبين الوحي بألقاء كلمة الله جل شأنه سماعا ومن وراء حجاب على رسله وانبياءه كما كلم الله سبحانه وتعالى كليمه موسى عليه السلام، أو من خلال الملك جبرائيل ـ أو غيره ـ أسماعا أو مشاهدة كحال معظم الأنبياء ومنهم النبي محمد صلوات الله عليه وآله من خلال الملك جبرائيل عليه السلام، أو من خلال وسائل أخرى كالمنامات كما حدث مع نبي الله إبراهيم عليه السلام بخصوص رؤيا ذبحه لبنه إسماعيل عليه السلام، او غير ذلك من البريد السماوي.
وما يخص القرآن الكريم، فقد كان نزوله "قرآنا" ـ من القراءة ـ من الله على وحيه، وتنزيلا وليس عروجا او صعوديا أو أي شكلية أخرى، ومن ثم تنزله مع الوحي على صدر النبي، ((وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا))(الأسراء ـ 106)، كما أنه نزل من خلال تلاوة جبرائيل عليه السلام له بشكل مرتل وليس مجرد قراءة عادية، أي أنه نزل بلحن معين ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا))(الفرقان ـ32)، فضلا عن نزوله لم يكن بدفعة واحدة، إنما بشكل متتالي، على عكس الكتب السماوية السابقة ((وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ))(الأعراف ـ 145)، ما يعني ان القرآن الكريم قد تميز او تمايز عن باقي الكتب السماوي بكونه نزل قراءة من الله سبحانه وتعالى على وحيه ومن الوحي على رسول الله صلوات الله عليه وآله، وليس كتابة كما كانت عليه تلك الكتب.
من جهة أخرى، فقد نزل القرآن الكريم متمرحلا بدفعات ومراحل وموزعا على سور وآيات ((وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا))(الأسراء ـ 106)، وكان بذلك مفرقا وموزعا وليس ككتاب مرزوم ومدفوف، بدلالة أجابة الله سبحانه وتعالى على الكافرين الذين طالبوا بأن يكون التنزيل دفعة واحدة ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً.....))، وإن كان أصل تنزله من السماء الى البيت المعمور بدفعة واحدة، لينزل بعد ذلك على قلب النبي محمد صلوات الله عليه وآله، بدفعات.
والفائدة من هذا التفريق (النزول المرحلي للقرآن الكريم)، هو تثبيت فؤاد المنزل على صدره ـ النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله ـ ((........ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ.......))،  و (( ....... وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا))، ناهيك عن حكمة مراحل تنزيله التي يراد بها شمول كل الأزمنة والأمكنة، وتثبيت الأحكام الشرعية وفقا لحوادث معينة (سبب النزول)، مع مراعاة التدرج في ذلك خصوصا، وانه في صدد بناء مجتمع بشري كامل، ما يتطلب ان تستدرك سور القرآن الكريم وآياتها كل المستجدات والحوادث، خصوصا وأن نبوة النبي محمد صلوات الله عليه وآله أسبق من تكليفه بالرسالة، وبالتالي فأنه عليه الصلاة والسلام ليس غريبا عن الإيحاء الرباني، ولكن هذه المرة بشكلية غير تلك، من خلال الوحي جبرائيل عليه السلام. 
وأدل دليل على مرحلية هذا النزول الذي استمر قرابة عشرين عاما، أن أخر ما نزل به الوحي على صدر النبي محمد صلوات الله عليه وآله هو آية الإتمام ((....... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))(المائدة ـ 3)، في حين أن الآيات الأولى من سورة العلق كانت أول ما نزل منه ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5))(العلق ـ 1ـ5). 
وإتماما للفائدة، فإن نزول القرآن الكريم استغرق عشرين عاما، وهو ما أكده الإمام أبو عبد الحسين عليه السلام بالقول: "نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ نَزَلَ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً"، باعتبار أن أول ما نزل منه كان في ليلة القدر الموافق الثالث والعشرين من رمضان للعام 10 قبل الهجرة النبوية الشريفة، واخر ما نزل منه في ذي الحجة من العام 11 من الهجرة الشريفة. 

عبد الحسن سلمان الشمري

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م