18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 2:18 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أحكام مجتمعية |  الزواج... ناموس طبيعي بميثاق فطري مقدس
2019-03-18   176

الزواج... ناموس طبيعي بميثاق فطري مقدس

يلازم القرآن الكريم بين أيمان العبد وعفته من خلال حصر غرائزه بطائق شرعية محددة، وراح يؤسس لذلك بمنظومة من آياته الشريفات، حتى عد من لا يلازمهما، مبتغ وعاد ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابتغى وَرَاءَ ذَٰلِكَ فأولئك هُمُ الْعَادُونَ(7))(المؤمنون ـ 5 ـ7).
ولعظم الحاجة الفطرية بين الرجل والمرأة، ولكون هذه الحاجات مما لا يمكن إدراكه إلا بالزواج، راح القرآن الكريم يعد الزواج مما يمنح النفس البشرية سكونها من خلال ما يتضمنه من مودة ورحمة، ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))(الروم ـ21).  
وبالعودة على بدء، فإن الملازمة بين الإيمان من جهة والعفة من جهة ثانية ـ وأول ملامح العفة هو حفظ الفرج عن غير ما أحل له ـ ستجعل من هذا الوثاق ارتباطا مقدسا، وكل ما دون ذلك عدوانا وبغيا، وإسلاكا لمسالك غير سوية، ما حدا بالشارع المقدس ان لا يجعل من هذه العلاقة ـ واصدق ملامحها الحاجة الغرائزية ـ ان تترك دونما تنظيم، فراح يؤطرها من خلال " عقد الزوجية" ويربط الأخير بالتزامات أخلاقية وفقهية ومالية، كحصن وموانع على من ينكل به. 
ولما كان الزواج، ميثاقا وعقدا يقصد به جملة مقاصد، ومنها الحاجة الغرائزية كفطرة بشرية، ناهيك عن دواعيه في حفظ النوع الإنساني، من جهة، وما يولده لدى الزوجين من اكتفاء روحي وجسدي، فقد أسس القرآن لتوثيقه بأرقى البنود وثاقة، حتى عد نبي الرحمة محمد صلوات الله عليه وآله، النكول عنه ـ وثاق الزوجية ـ "أبغض الحلال"، ومن هذه البنود الغليظة لهذا الميثاق، قوله تعالى ((وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21))(النساء ـ20 ـ 21)، وهو تشديد مادي، لما للمادة والمال من اثر جوهري في النفس البشرية.
من جهة أخرى، فأن هذا العقد، ستكون له الأولوية على كل العقود، فلا يزاحمه عقد في حق، ولا ينازع أحدٌ أحد الزوجين في استحقاق، ما يجعل من الحياة الزوجية الوسيلة الوحيدة لتشكيل الأسرة المسؤولة، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))(النساء ـ1).
كما اعتبر الإسلام رباط الزواج، إحرازا لنصف الدين، باعتباره الحصن المانع من انحراف المرء، فضلا عن كونه الحصانة النفسية والصحية والوجدانية، ناهيك عن الأخلاقية، بما يقي المتزوج من الخطيئة والرذيلة، حتى قال فيه سيد البشرية محمد صلوات الله عليه وآله "ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله"، وعنه عليه الصلاة والسلام: "من كان يحبّ أن يتّبع سنّتي فليتزوج، فإنّ من سنّتي التزويج، واطلبوا الولد فإنّي أكاثر بكم الأمم غدًا".
ماديا، فأن الزواج بمثابة الداعي الأكبر لتحصيل الرزق، بدء مما يجلبه من بركة في الرزق، وانتهاء بالدواعي والدوافع التي تدفع الزوج لتحصيل رزقه بهمة بعيدة عن الكسل، ايمانا بقضيته كرب للأسرة ومسؤولا عن الزوجة والأطفال، ((وَأَنكِحُوا الأيامى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ))(النور ـ 32)، وهو ما ندب اليه الحديث النوبي الشريف للنبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله: "اتخذوا الأهل فإنّه أرزق لكم". 
  وعلى الرغم من كون الزواج مستحبا وليس بواجب، إلا أنه يصير كذلك ـ واجبا ـ إذا ما أضر بالمرء او دينه، فعن النبي محمد صلوات الله عليه وآله، انه قال: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
وبناء على من ذكر أعلاه من أهمية وضرورة الزواج، فإن الإسلام أبتنى رباط الزواج المقدس على أسس تشريعية (قرآنية وحديثية)، ليعطفها بأسس اجتماعية وأدبية، يخلص من خلالهما الى منظومة من الالتزامات بين طرفي العقد، بل بما يضمن له ـ الرباط الزوجي ـ ولهما، الاستمرار والديمومة من خلال وضعه لبعض العقوبات للمخالف لها.
وبالإضافة الى وضعه المحددات العقابية لمن يخالف ما نص عليه عقد الزوجية، فلم يفت المشرع المقدس، منح الزواج شكلية محددة من خلال سلسلة مراسم ومراحل تشكل بمجملها مساند وواقيات له، بدء من الخطبة ومن ثم شكلية العقد الموسومة بألفاظ ومفردات محددة، واليات معينة، وانتهاء بالإشهار به، ناهيك عما يلي ذلك من إسكان وواجبات الإطعام وغيرها الكثير. 
مراسميا، وعلى الرغم من انفراد الإسلام بمراسمه الخاصة حيال عقد الزواج ـ وهي مراسم ضرورية لتعظيم وتقديس الوثاق الزوجي ـ الا أن المراسيم الزوجية بصورة عامة من متبنيات الديانات السماوية، فبدء من العقد الذي يقيمه الحاخامات في اديرتهم وبيعهم، ومرورا بالعقد المسيحي من خلال الكنسية واروقتها يأتي العقد الزوجي لدى المسلمين بشكلية معينة، وهذا يعني أن الزواج حسب الديانات السماوية الثلاث، عقد مقدس، وأن آلية التعاقد فيه ـ قرب المعابد والمساجد ـ إنما الباسا له بثوب القدسية، وهو ما سينعكس قطعا على المتعاقدين (المتزوجين) حيال زواجهما. 
وخلاصة القول، إن للزواج منهج رباني وضعه الباري عز وجل إحاطة منه بما اودعه في الأنسان من حاجات وغرائز وضرورة التوازن بينها وصولا منه للهدف الأسمى الذي خلق من اجله خصوصا وأن خلقه هذا مما لا يحتمل ان يكون عبثيا، وبالتالي فأن لغرائزه هذه وحاجاته تلك، اهداف وغايات، ما يجعل منه عقد مقدسا وناموسا طبيعيا يحكمهما ميثاق فطري غليظ.

ظافرة عبد الواحد خلف

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م