16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:01 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  الغيب... قراءة أولية في المفهوم والعلة
2019-03-21   103

الغيب... قراءة أولية في المفهوم والعلة

ما زال الماديون يتندرون على المؤمنين بالغيب، فكرة أيمانهم بما هو غير ملموس من خلال الحواس البشرية العادية (اللمس، النظر، الشم، السمع)، ويصبغون اعتقادهم بذلك، على أنه ضعف علمي يجرهم لتأول ما لا يستطيعون فهمه بالاستناد الى قوة كبرى، تسيره بما هو فوق إدراكهم! لأن هؤلاء الماديين، حصروا الحدود المعرفية بما يمكن للعقل البشري من تصوره وتحليله!
وعلى اختلاف تلك القوة الغائبة عن الحواس البشرية العيانية، اختلفت تسمية تلك الظاهرة الغيبية، فبين من يسميها ميتافيزيقا وبين من يسميها خوارق، وربما سحر وشعوذة، إلا أن المؤمنين بالله أصروا على تسميتها "غيبا".
والغيب لغويا، كل ما غاب عن الحواس بالستر والحجب، ومن ذلك سميت الغابة لأن احراشها واشجارها تغيب عن الناظر أليها ما يقع تحتها، لذا فاذا غُيب عنا شيئا ما فهو غيابة حسب الفراهيدي، وينسحب ذلك الى من غاب عنها زوجها فهي امرأة مغيبة، ومن ذلك قول سبحان من قال ((قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ))(يوسف ـ10)، حيث سمي قعر البئر "غيابة" او "غيابت"، لغيبوبته عن أعين الناظرين.
اصطلاحا، يعرف الغيب على أنه الدلالة بالضد من الحضور والشهودية، حيث يطلق على الأمور التي لا تعرف بأسباب متعارفة عادة، لذا فيمكن عد علم الغيب على أنه تركيب إضافي يعني معرفة الأمور الغيبية وإظهار الغيب والعلم والمعرفة بالنسبة إلى الأمور المستورة التي لا تدرك بالحواس.
وقد ورد ت مفردة الغيب ومشتقاتها في القرآن الكريم بـ (54) موضعا، منها ((وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ))(هود ـ 123)، و((اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9))(الرعد ـ 8ـ9) و((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (5) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(6))(السجدة ـ 4 ـ 6) و((وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))(النحل ــ77)، وغير ذلك الكثير، حيث تشير معظمها الى أن ما لا يدركه الإنسان هو بحكم الغيب، وعلمه لدى علام الغيوب جل شأنه، وأن تغييبه عن الإنسان مرده مصلحة الإنسان نفسه، لطفا وتحننا من الخالق الرحيم، أو لعلة تستوجبها حالة الترقي في المسيرة البشرية.
وينقسم الغيب الى غيب مطلق، يمتنع ـ حد الاستحالة ـ تصور المغيب، بأي وسيلة حسية مادية! كالله سبحانه وتعالى وصفاته التي هي عين ذاته، حيث يبقى جل شأن اقصى الغيبيات خصوصا فيما يخص صفاته وذاته.
في حين إن النوع الثاني من الغيب هو الغيب النسبي، ونسبيته مردها إمكانية إطلاع البعض عليه بحسب ظرف زماني ما او مكاني، او لشخص دون اخر، وبالتالي فهو يحتاج لظروف ذاتية وموضوعية تسمح للمغيب عنه رؤية الغيب، ومن ذلك ما يطلع عليه المصطفين والمنتجبين ممن خلق الله من انبياء واصفياء. 
كما أن ثمة غيبيات نسبية أخرى يمكن للناس العاديين اثباتها تحت ظروف زمانية او مكانية معينة، من خلال التعليم والتدبر والرياضة النفسانية.
ويعد الغيب كذلك بالنسبة لمن يغيب عنه، وإلا فبعض الأصوات دون عتبة السمع البشرية مما يمكن لبعض المخلوقات سمعه، او بعض الظواهر الفيزيائية كدراية بعض الحيوانات والطيور لهبوب الرياح قبل وصولها او علمها بقرب زلال از عاصفة، ما يجعل من هذا الغيب نسبيا، ونسبية هذه الغيبيات يعود الى إمكانية الإحساس بها اذا ما تطورت وسائلنا العلمية والمعرفية، خصوصا وأن هذه النسبية متعلقة بالإنسان، لأنها بالنسبة لله حاضرة وسرمدية وابدية ماضيا وحالا ومستقلا ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا))()الطلاق ـ12)، ((وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ))(الأنعام ـ59). 
وعلى هذا وذاك، فإن الاطلاع على الغيب المطلق، هو من مخصوصات الله سبحانه وتعالى، وربما أطلع من يشاء هو من عباده، كالأنبياء والرسل والأئمة عليهم الصلاة والسلام (( ......... وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ))(آل عمران ـ 179)، وهو ما حدث ذلك مع نبيه الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله وسلم يوم أُسري به ((وَهُوَ بِالْأُفُقِ الأعلى  (7) ثُمَّ دَنَا فتدلى(8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى (9) فأوحى إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أوحى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رأى (11))(النجم ـ7 ـ11)، ((تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ))(هود ـ49).
وللبون الشاسع بين العلم الإلهي والعلم البشري، فالأول أبدي أزلي اصيل لا حد له ولا شبه، في حين أن العلم البشري محدود بحدود العقل البشري والاستطاعة فضلا عن الاستعداد، وهو ما جعله الله لدى اصفياءه من انبياء ورسل وائمة، حيث صار بإمكانهم عليهم السلام من الاطلاع على قدر من الغيب منة ومنحة إلهية ((................ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ..........))(البقرة ـ155)، ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وأحصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28))(الجن ـ26 ـ 28) مع إمكانية أن تتدخل اليد الإلهية في تغيير ذلك من خلال البداء. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م