16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 5:38 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  وقفة تأملية عند مقولة "إن الأمة الإسلامية أفضل الأمم"
2019-03-31   129

وقفة تأملية عند مقولة "إن الأمة الإسلامية أفضل الأمم"

عادة ما نشهد ونلاحظ  استدلال المسلمين على أفضليَّة أمَّتهم بقوله تعالى ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ))(آل عمران ـ 110)، وذلك تبعًا لاستدلال السواد الأعظم من علماء ومفسري الأمَّة الإسلاميَّة، فهم يفهمون من الآية الكريمة أنَّ مراد المولى تعالى هو الإخبار عن حقيقة أنَّ أمَّتنا من أفضل الأمم التي ظهرت على الأرض، بحيث تميَّزت عن باقي الأمم بكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله الموجد لهذا الوجود، وهذا التفسير أو هذا الفهم  بطبعه سيقود أبناء أمَّتنا إلى معايشة حالة الفخر والإعتزاز الموصل هو الآخر لمعايشة الرضا عن الذات.  
والحقَّ في المقام، الذي يوصلنا إليه التأمّل المرتكز على الإيمان بالإنصاف والعدالة الإلهيَّة المطلقة، هو أنّ هذا الفهم المطروح منذ قرون عديدة، بعيدٌ عن تلك المرادات الإلهيَّة التي تتضمنها مفردات الآية، بل إنّ المعنى العام الذي نلتمسه والذي يعود ويُبنى على التسليم بحقيقة الدقَّة الخطابيَّة في النصوص القرآنيَّة، قد يجعل ويبعث أبناء الأمَّة نحو معايشة الحسرة والندَّم بسبب تفريطهم في الأمر الذي به كان يمكن للأمَّة الإسلاميَّة أن تكون في طليعة الأمم المصلحة لعموم الواقع البشريّ. 
ونحن هنا، ولأجل البلوغ إلى ما نودّ بيانه سنحتاج إلى الوقوف عند مفردة «خَيْر»الواردة في الآية، وذلك ليسهل علينا بعد ذلك الإحاطة بما تحتويه هذه الآية من معنى عام. 
وعليه، فقد ورد في الآية لفظة «خَيْرَ» التي هي وكما يقول النحاة: أنّها من أسماء التفضيل، وحسب القواعد الوزنيَّة، فالأصل فيها أن تكون «أَخْيَر»، حالها حال أختيها «شَرُّ النَّاس...: والأصل أَشَرُّ النَّاس» و «حَبُّ إِلَيَّ من ...: والأصل أَحَبُّ إِلَيَّ مِن....»، فحذفت الألف وبُدِّلت سكونها بفتحة فکانت «خَيْر»، وذالك لكثرة استعمالها عند العرب بدون ألف.
والحق في المقام، أنَّ مفردة «خَيْر» الواردة في الآية القرآنيَّة السابقة تحتوي وتستبطن في معناها العام على مفهومين فقط: الأول: هو مفهوم الخيريَّة الذي دلَّت عليه مادَّة اللَّفظ «خَيَرَ»، والثاني: هو مفهوم الكثرة والتفاوت الذي دلّت عليه صيغة اللَّفظ، ومع الجمع بينهما ننتزع ذلك المعنى العام، وهو التفاوت في نسبة الخيريَّة.
أمَّا في خصوص مفهوم التفضيل الذي ادَّعاه النحاة لـ «أسماء التفضيل» عموما، ولمفهوم «خَير» خصوصًا، فهو غير متعلّق بهم أبدًا، وذلك لوضوح أنَّنا لو تأمَّلنا كل تلك الأسماء التي يطلق عليها النُحاة «أسماء التفضيل» سنجد اسمًا واحدًا يحمل في معناه مفهوم التفضيل، وهو اسم « أفضل»، أما باقي الأسماء فهي لا  تحتوي في معناها مفهوم التفضيل، لكونه مُتَأَتِيًا إليها من خارج الكلمة، وبالتحديد هو متأتي من ذاك التقارن الحاصل في الذهن بين مفهوم التفاوت والأفضليَّة، بلحاظ أنّ الأكثر نسبة أفضل من الأقل نسبة، والحكم بأنّ كل تفاوتٍ هو أفضل في الحقيقة هو شبهة ذهنية تحتاج للتوقف عندها، لوضوح أنّ الأكثر شرًّا ليس بالضرور هو الأفضل، بل هو مصداق لما يقابل مفهوم الأفضلية، وبالتالي فمعنى عبارة «أنَّ أمَّتنا خَيرَ الأمم» هو «أنّ أمَّتنا أكثر خَيْرِيَّة من باقي الأمم».
وخلاصة الكلام في هذه النقطة، هو أنَّ غاية ما يمكن أن نستخلصه من عبارة «خَيْرَ أُمَّة» الواردة في الآية، هو كون أمَّتنا أكثر خيريَّة من باقي الأمم، وبالتالي فهي أكثر عطاءً للخير من باقي الأمم، أمَّا الحكم بالأفضليّة لأمَّتنا عن غيرها وبلحاظ أنّها غير مستفادة من أصل اللَّفظ، وإنّما هي مُتَأتيَّة من أحكام عقلية خارجة عن أصل اللَّفظ، فلا يمكن لنا الحكم به ـ حسب سياق الآية السابقة ـ للأمَّة الإسلامية إلاَّ بعد أن يتوفَّر شرطين، هما: 
الأول: عندما نثبت بأنّ التفاوت في الخيريَّة من مصاديق الأفضليَّة، وهذا الشرط متحقّق.
الثاني: وهو أنَّ تُفعِّل وتُترجِم الأمَّة في واقعها وحركتها تلك الشروط التي مكّنتها وجعلتها أكثر عطاءٍ للخير من غيرها، وهذه الشروط ذكرت في الآية كما سنبيَّنه لاحقًا. 
وحتى مع توفّر الشرطين السابقين، فعلينا أن ندرك أنّ أفضلية الأمَّة مقيدة لا هي مطلقة، بمعنى أنّ أفضليتها محدودة بحدود مصاديق الخير، لا هي أفضل مطلقا من باقي الأمم. 
وبالرجوع إلى سياق الآية لتوضيح مرادات المولى تعالى، وذلك بعد أن اتضَحَ لنا المعنى المراد من لفظة «خَيرَ»، فنقول أنّ الآية الكريمة غاية ما يمكن أن تقدمه لنا من معنى، هو أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة التي هي عبارة عن كيان اعتباريّ يتشكَّل في واقعه من حركة العناصر البشريَّة المشتركة في منظومة معرفية وعمليَّة واحدة، ولهم حركة موحَّدة اتجاه مسير ومقصد وهدف واحد تحدِّده تلك المنظومة التي يتبنونها، فهذه الأمَّة وأثناء تشكُّلِها للخروج إلى مرحلة الفعليَّة الواقعيَّة، بعد أن كانت موجود بالقوِّة في العناصر البشريَّة المفترِّقة، كانت تمتلك العنصر الذي يجعلها معطاءة للخير أكثر من باقي الأمم، وهذا العنصر الذي صيَّرها معطاءة للخير أكثر من الأمم الأخرى، هو عنصر «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر»، الذي ذكره المولى تعالى في الآية بعد أن وضَّح حقيقة أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة معطاءة للخير أكثر من غيرها،  حيث قال ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)).
وتقديمه تعالى لعنصر «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر» في الآية على الإيمان بالله الذي هو مكمِّلٌ له، فيه دلالة على أنّ السبب المباشر في حالة العطاء للخير، هو نفس الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، فلو تقدَّم الإيمان بالله على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر لحكمنا بأنَّ السبب المباشرة لحالة العطاء هو الإيمان بالله تعالى.
وكذلك الأمر في تأخير الإيمان بالله في الآية على عنصر «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر»، ففيه دلالة على تحديد صنف المعروف الذي علينا الأمر به، والمنكر الذي علينا النهي عنه، وذلك لوضوح أنّ تشخيص مصاديق المعروف والمُنْكر تعود لاعتبارات المُعتَبر، وبالتالي فالحكم على أنَّ هذا معروفٌ أو ذاك منكرٌ سيكون نسبيًّا، ومقصدنا من النسبيَّة في هذا المقام، هو أنّ ما قد يحكم عليه الشَرع ـ الخاضع لاعتبارات المولى تعالى المبنيَّة هي الأخرى على المصالح والمفاسد الواقعيَّة ـ بأنَّه منكرٌ، قد يحكم عليه العرف ـ الخاضع لاعتبارات النَّاس المَبنيَّة على المصالح والمفاسد الظاهريَّة ـ بأنّه معروفٌ، وكذلك الحال في المعروف، فما قد يحكم به العقل الخاضع للعواطف بأنَّه معروفٌ، قد يحكم علىه الشارع أنَّه منكرٌ.    
فلأجل دفع وحلّ هذا الإشكال أخَّر المولى تعالى الإيمان بالله، للتدليل على أنّ الصِّنف من «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر» والذي به كانت الأمَّة الإسلاميَّة معطاءة للخير أكثر من غيرها، هو خصوص الأمر بالمعروف الذي يعتبره المولى تعالى معروفًا، وخصوص النَّهي عن المنكر الذي يعتبره المولى تعالى منكرًا، لا هو مطلق الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. 
وعليه، فبعد أن عرفنا أنَّ العُنصر الذي جعل الأُمَّة الإسلاميَّة أكثر الأمم عطاءً للخير، هو امتلاكها وتفعيلها لذاك التكليف الإلهي الذي يسمى بـ «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر»، وعرفنا أنَّ «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر» المقصود في الآية هو خصوص ما يعتبره المولى تعالى، بعد هذا نأتي لنؤكد على حقيقة أنَّه وبلحاظ أنَّ تكليف «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر» هو السبب في جعل الأمَّة أكثر الأمم عطاءً للخير، فبمجرد أن يضعف أداء الأمَّة لهذا التكليف، سيضعف معه منسوب عطائها للخير، وعندما تبلغ الأمَّة لتلك المرحلة التي تترك فيها هذا التكليف، سوف ينعدم كذلك عطاؤها للخير، وبما أنّ واقعها لا يقبل الفراغ، فستتحوَّل عند ذلك إلى تقديم الشرّ لباقي الأمم بعد أن كانت معطاءة للخير، وهذا بدوره سوف يؤدي لجريان سنن الله العادلة على الأمَّة ((وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ))(محمد ـ38 ). 
وخلاصة الكلام في مقام بيان مُرادات المولى تعالى الظاهرة من الآية المذكورة هو أنَّ ظواهر مفردات الآية لا دلالة فيها على أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة هي أفضل أمَّة أخرجت للنَّاس، أو هي أفضل من باقي الأمم التي وجدت بعد نزول نصُّ الآية، بل غاية ما يمكن  نفهمه من ظواهر المفردات هو أنّه تعالى يخبرنا أنَّ الأمَّة الإسلاميَّة عند خروجها الأول لحيَّز الفعلية ضمن حركة بني الإنسان، ومنذ خروجها كانت تمتلك لعنصر «الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر» الموافق لاعتبارت المولى تعالى التي هي الأخرى مبنيَّة على المصالح والمفاسد الواقعيَّة، وبالتالي فهي تمتلك العنصر الذي يؤهّلها ويجعلها  أكثر الأمم عطاءً وتقديمًا للخير.

حبيب مقدم 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م