18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 10:06 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | الإمامة |  مفهوم الإمام في الاستعمالات اللغوية والقرآنية
2019-04-28   224

مفهوم الإمام في الاستعمالات اللغوية والقرآنية

إنّ الكلام والتَّحقيق في موضوع «الإمامة والإمام» لا يمكن أن تسعه مقالة أو بِضْع صفحات كما هو الحال في مقامنا، كما أنّ هذا البحث تطرّق له المسلمون من القرون الهجرية الأولى، ولعلّ السبب الذي دفع بعض الأفراد والجماعات لإطلاق تسميَّة «الرَّافضة» على أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام يعود لرفضهم وعدم قبولهم بإمامة كل الذين حكموا البلاد الإسلاميَّة عبر التاريخ الإسلامي، إبتداءً من القرن الأول للهجرة وإلى يومنا هذا.
ولتقريب هذا المفهوم للأذهان، وتوضيح حدوده في المنظومة الإسلاميَّة، علينا البحث في الاستعمالات القرآنيَّة لهذا المفهوم، وقبل ذلك لا بد لنا من التَّكلُّم بنحو مقتضب حول معناه في لغة العرب، وذلك لأجل أن نتمكن من الحديث حول المسائل الفرعيَّة التفصيليَّة المتعلِّقة بهذا المفهوم في قادم المقالات.

تعريف الإمام لغة
بداية نشير إلى أنّنا عندما نتحدَّث عن التعريف اللُّغوي نقصد من ذلك المعنى الذي وضعت العرب له الألفاظ، فمن خلال التعريف اللُّغوي نتمكن من فهم المعنى الذي لأجله وضع العرب القدامى لفظة «الإمام» أو أي لفظ آخر، وبالرغم من أنّ العرب وضعوا لكلّ معنٍ لفظ خاص به، إلاَّ أنَّهم ومع مرور الوقت وتوّسع دائرة المعارف لديهم استعملوا بعض الألفاظ التي وضعت لمعنٍ خاص في معنى آخر تربطه بالمعنى الأصيل مناسبة، لذلك نلحظ ذاك الفارق الموجود بين التعريف اللُّغوي والاصطلاحي.
وتقريبًا لهذا الأمر نذكر لفظة «الصلاة» كمثال، فقد وضعها واضعوا اللُّغة العربيَّة من العرب لمعنى الدعاء لما يفترض أنَّه الإله، غير أنَّها استعملت بعد الإسلام في معنى خاص، وهو مجموع الحركات السلوكيَّة والقوليَّة التي يأتي بها المسلم بطريقة خاصة منظمّة ومرتبّة، لتكون معبِّرة عن عبوديته للمولى تعالى، والتي تبدأ بالإقامة والتكبير وتنتهي بالتَّشَهُدِ والتسليم.
وكذلك الحال في لفظة «الحَجُّ» التي وضعها الواضعون لمعنى «القصد لشيء معظَّم»، ولكن بعد الإسلام استعمل العرب لفظة «الحجّ» في معنى خاص من القصد وهو قصد مكّة المكرمة وما يستلزم من شعائر فيها، دون غيرها من الأماكن. 
وبالعودة إلى مطلبنا نقول: أنَّ مفردة «إِمَام» على وزن «كِتَاب»، وهو اسم مصدر من مادّة «أَمَّ» التي تعني القصد، كما أشار لذلك أهل اللُّغة، وعند مراجعة قواميس اللُّغة العربيَّة سنجد عدَّة مصاديق استعمل فيها لفظة الإمام لغة، منها المعلم، المقدِّمة، السبيل، الشاقول الذي يشيّد به البناء...وغيره، وهذه المَفَادَات هي في الحقيقة مصاديق خارجيَّة للمفهوم الذي يترشَّح من لفظة «الإمام» لا هي نفس المفهوم أو المعنى الذي وضع له لفظ الإمام. 
ولكن يمكن القول في المقام أنَّه يمكن لنا أن نستخلص من كل كلمات اللُّغويين معنًا مشتركًا بينهم بحيث يكون بمثابة المعنى العام المشترك من مجموع الاستعمالات المختلفة للفظة «الإمام»، وهو «الشيء الذي من خلاله يتمُّ البلوغ إلى المقصد، سواء كان ممَّا يأْتَمُّ به النَّاسُ من رئيس أَو غيره....، أو ممَّا يتَّخذونه النَّاس ليكون قدوةً ومعينًا ودليلاً وهدايةً لبلوغ مقاصدهم» وقد ذهب جملة من المحقِّقين اللُّغويين إلى ما هو قريب من هذا المعنى. 

الإمام في القرآن الكريم
لقد وردت مفردة «الإمام» في اثني عشر موضعٍ من القرآن الكريم، خمسة منهم بصِيغة الجمع «أئمَّة»، وفي سبعة مواضع وردت بصيغة المفرد «إمام»، ووُرُودَهَا في القرآن بهذا العدد قد يكون فيه إشارة لطيفة عند البعض لمعنى معين، وهو عدد الأئمة والخلفاء الذين ورد ذكرهم في الروايات والأحاديث النَّبويَّة: 
«يكون اثنا عَشرَ أميرًا، فقال [الرَّسول]: كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنَّه قال: كلُّهم من قريشٍ».
«إنَّ هذا الأمر لا ينقضي حتَّى يمضي فيهم اثنا عشرَ خَليفة، قال [ الراوي]: ثم تكلَّم بكلامٍ خَفِي عَلَيَّ، قال [ الرَّاوي] فقلت لأبي: ما قال؟: قال: كلُّهم من قريشٍ».
فالآيات التي وردت فيها مفردة الإمام بصيغة الجمع هي: 
سورة التَّوبة )(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ))(التوبة ـ 12)، وسورة الأنبياء ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ))(الأنبياء ـ73)، وسورة القَصَص ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ))(القصص ـ 5) ، وكذلك في سورة القَصَص ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ))(القصص ـ41) وسورة السَّجدة ((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ))(السجدة ـ 24).
أمَّا المواضع القرآنيَّة التي وردت فيها بصيغة المفرد فهي: 
سورة البَقرة ((وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ))(البقرة ـ124)، وسورة هُود ((أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً))(هود ـ 17)، وسورة الحِجر ((وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ))(الحجر ـ 78-79)، وسورة الإِسْرَاء ((يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ))(الإسراء ـ71)، وسورة الفُرْقَان ((وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا))(الفرقان ـ 74)، وسورة يَسِ ((إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ))(يس ـ12)، وأخيرًا سورة الأَحْقَاف ((وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ))(الأحقاف ـ 12) .
والمُتَتَبِّع المدقِّق في هذه الآيات سيجد أنّ لفظة «الإمام» الواردة فيهم، قد أطلقت واستعملت من قِبَل المولى تعالى في المصاديق التاليَّة: «كتاب موسى عليه السلام، واللَّوح المحفوظ، وأئمة الصَّلاَح والهُدَى، وأئمة الكُفْروالضَّلاَل، والطَّريق والسَبيل كما في سورة الحِجر». 
فالاختلاف في ماهيَّة المصاديق التي استعملت للإشارة إليها لفظة «الإمام»، يقودنا إلى البحث عن ذاك القدر المشترك بين مختلف هذه المصاديق، بحيث صحَّ استعمال لفظ «الإمام» فيهم جميعًا، فعادة ما يكون اللَّفظ موضوعًا لمعنٍ عامٍ، بحيث يصلح أن يُطلق ويُستعمل في مصاديق متعدِّدة ومختلفة في الماهيَّة والحقيقة الخارجيَّة، بشرط أن تشترك تلك المصاديق الخارجيَّة في حيثيَّة عنصريَّة جامعة بين تلك المصاديق المتنوعة في ماهياتها. 
ونحن لو تأمَّلنا تلك الآيات القرآنيَّة التي وردت فيها مفردة «الإمام»، وبالتبع لذلك نتأمَّل في المصاديق التي استعملت فيها، سنلحظ أنَّ جميعها تتضمن حيثيَّة القابليَّة التي تخوِّل كل واحدة منها لأن يكون عنصرًا متَّبعًا ومُرشدًا على الطريق أو المقصد للأفراد المُتَّبِعَة له، وبمعنى آخر أنَّ العنصر المشترك بين هذه المصاديق التي استعملت فيها مفردة «الإمام»، هو مجموع الحيثيَّات التي تُمَكِّن الشيء من أن يكون العنصر المرشد نحو مقاصد المتَّبعِين، سواء كان الشيء ناطقًا أم صامتًا. 
وهذا المعنى نجده يتوفر في أئمة الصَّلاح، وأئمة الضَّلال، وكذالك يتوفَّر في الكُتب الهَاديَّة إلى الحقَّ أو الباطل، وأيضًا هو متوفَّر في اللَّوح المحفوظ تبعا لما يحتويه، والذي من خلاله سيرشد ويحدِّد المقصد النهائي والمصير الذي سيتوجَّه له كلُّ فردٍ بشري، وأخيرا نجده أيضًا في الطريق والسبيل الذي هو مرشد وموجه لكلَّ مَنْ كان له سفرًا ومقصدًا. 
وعليه، فيمكن لنا القول أنَّ مفهوم «الإمامة»، مأخوذ في مفهومها مجموعة من المعاني والمفاهيم، بحيث تصدق على كل شيء توفَّر فيه حيثيَّة الاقتداء والاتباع على نحو يجعله المرجع والمصدر في أخذ ما يساعد النَّاس على بلوغ مقاصدهم التي يقصدونها، وبهذا اللِّحاظ كان النَّبيّ إبراهيم عليه السلام وكذلك النَّبيَّ محمد صلَّى الله عليه وآله وسلم متحصّلين على صفة الإمامة، فكل واحد منهما كان قدوة ومرشدًا للنَّاس على صراط الله المستقيم، وذلك على النحو الذي يجعل كل منهما مرجعًا ومصدرًا للنَّاس في الاسترشاد على بلوغ مقاصدهم، وكذلك الحال في مَن يخلف النَّبي محمَّد صلَّى الله عليه وآله وسلم، فهم القدوة المرشدين للنّاس على الطريق الموصل للمؤمنين برسالة الإسلام إلى مقاصدهم التي حدَّثتهم عنها نفس الرِّسالة. 
وعمليَّة ايصال النَّاس إلى مقاصدهم التي رسمتها لهم الرِّسالة، تتمُّ على نحوين، أو قل تتحقَّق من خلال خطوتين: الأولى القدرة على الإحاطة بكل تفاصيل رسالة الإسلام، والثانيَّة من خلال القدرة على إدارة شؤون العباد وتوجيههم نحو ما يتوافق مع مضامين الرسالة المطروحة ، وبمعنى آخر أنَّ الوظيفة الفعليَّة للإمام الذي سيخلف صاحب الرِّسالة هو أن يكون مرجعًا للنَّاس في تحديد مضامين الرِّسالة بكل تفاصيلها، وكذالك مرجعًا في تنزيل هذه المضامين للواقع لتكون حاكمة في شؤون النَّاس وحركتهم العامَّة، والكلام في هذا الموضوع لا يتسع له هذا المقام، لذالك سوف نرجئه لمقال آخر إن وفقنا الله لذالك. 
وخلاصة ما تقدم هو: 
أنَّه ومن خلال التأمّل في الإستعمالات اللُّغوية للعرب القُدَامَى، والأهم الاستعمالات المولويَّة في القرآن الكريم، سنلحظ وجود معنًا مشتركًا بين  جميع تلك الإستعمالات، وهذا المعنى المشترك يحتوي في معناه جملة من المفاهيم هي الإقتداء والإرشاد والإستعانة بالنحو الذي يصير فيه الشيء المتّحصِّل على هذه الميزات هو المرجع والمرتكز المُعِين على البلوغ إلى المقصد، وهذا المعنى ينطبق على العنصر البشري المتَّصف بالحياة والتعقُّل، وكذالك على الكتب والطرق وغيرها من العناصر التي لا تتَّصف بالحياة والتَّعقُّل .    

حبيب مقدم 




جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م