22 ذو الحجة 1441 هـ   12 آب 2020 مـ 7:13 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  قراءة تدبرية في حديث الثقلين
2019-12-21   1882

قراءة تدبرية في حديث الثقلين

"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض"
كان وما يزال حديث الثقلين، من الأحاديث النبوية التي أخذت قيمة عقائدية كبرى لدى المسلمين، خصوصا وإنه من الأحاديث المستفيضة والمؤكدة وغير القابلة للإنكار، خلا بعض من يرويه بمفردة غير الأصلية أو يفسره بها.
والثقلان ـ الثقلين ـ اصطلاحا هما كتاب الله (القرآن الكريم) والعترة النبوية (أهل بيت النبي صلوات الله عليه وعليهم).
إما لغويا، فللثقل إطلاقات عديدة، فمرة يراد به ما تخزنه الأرض والسماء من كنوز خافية، ومرة يراد به الأمر الجلل والشأن العظيم، كما يراد به أحيانا الشيء النفيس أو الخطر المستدق، في حين يراه علماء الكلام بأن "كل ما لا تُدرك حقيقته للخلق من الخلق هو ثقلا"، وبالتالي فإن كل ما يشق تحمله على المرء ثقلا، والجميل بأن كل هذه الأوجه قابلة للاتساق مع سياق الحديث الشريف.
ووفق لذلك، فإن القرآن الكريم والعترة النبوية هما أعظم خزانة الهية لأسرار السماوات والأرض، خصوصا بعد اشتمالهما على خزائن الله من علوم الأولين والأخرين، ظواهر العلوم وبواطنها، غائبها وشاهدها، كونهما أعظم الخلق وأكبره شأناً وأنفس نفائسه، ما حتّم صونهما عن النقائص، وعدم إدراك حقيقتهما إلا من الله جل شأنه ونبيه الأكرم، ومشقة ذلك على باقي الخلق، بل امتناعهم ـ الخلق ـ عن تحمّل أسرارهما، ما صيرهما ـ الكتاب والعترة ـ ثقلين ثقيلين في الميزان، بل واثقل ما يوزن به، لأنهما جمعا الفواضل والفضائل، كما إن ثقلية أحدهما تستوجب ثقلية الآخر، بداعي التلازم بينهما واستحالة افتراقهما عقلاً ونقلاً ونصا.
وربما يعترض أحد على كون الكتاب هو الثقل الأكبر، والأصغرية في الثقل تكون للعترة، كيف يكون ذلك في وقت يعرف الإمام إصلاحا على أنه خازن علوم الكتب السماوية ومنه القرآن الكريم، بل وترجمانها أجمع؟ 
والجواب هو إن أكبرية الكتاب الكريم (القرآن) متأتية من اضافته لله الأكبر عزّ وجل، وبالتالي هو أكبر من العترة النبوية، كونها مضافة ـ بشكل مباشر ـ للنبي الأكرم صلوات الله عليه وآله وليس لله، وبالتالي فأن ما يلحق بالمعبود أكبر مما يُلحق بالعبد، مع إن كل فرد من العترة النبوية إنما هو كتاب ناطق، في وقت يكون فيه الكتاب إمام صامت، والناس تحتاج الى من يشرح هذا الصمت، خصوصا وأنه حمّال أوجه، ما يجعل من الكتاب الناطق (العترة) قيّم بتفسير الصامت وتبيان معانيه ومقاصده، مع أنهما ـ الكتابان الصامت والناطق ـ حجّة الله على عباده، إلا إن صعوبة فهم المكلفين لمقاصد الكتاب وعدم قدرتهم على أخذ التكاليف واستنباط الحكم والمعارف منه بكمال الاختيار، صيّر الحاجة الى واسطتهم ككتاب ناطق، باعتبار إن ما خزن في الكتاب الصامت وخفي بين دفتيه من اسرار، وما كُنز فيه من نفائس ربانية، أشد على المكلفين واصعب واشق وأثقل، كونه ـ القرآن الكريم ـ له سبعون بطناً، وفيه محكم ومتشابه، وخاص وعام، ومجمل ومبيّن، وناسخ ومنسوخ، وظاهر وباطن، وتنزيل وتأويل، ولا تُفك هذه المشتركات إلا من خلال الكتاب الناطق (الإمام مثلا)، مسؤولا عن تبيان كل ذلك، للخلق أجمع، لأنه حجة الله عليهم.
وثمة نكتة عقائدية جميلة في هذا الحديث، والحديث لأصحاب علم الكلام، هي أن دلالة هذا الحديث الشريف تنهي الجدل بخصوص عصمة العترة النبوية الشريفة، بمقتضى تلازمها مع الكتاب الذي لا يأتيه الباطل ابدا ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ))(فصلت ـ41 ـ42).
وبخصوص عدم التفريق بينهما، فإن يوم الورود ـ الغاية الزمانية الاعتبارية ـ لم يكن على سبيل القيد الزماني، بمعنى إن عدم التفريق بينهما لا يكون حتى (لغاية) يوم الورود، أي أن عدم التفريق بينهما ـ الكتاب والعترة ـ لا يكون حتى بعد ورودهما على النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، إنما مورد ذلك هو ثبوت التلازم بينهما وامتناع افتراقهما، بل واستحالة ذلك، ووضع هذا القيد بمعنى اعتباري فقط، ومراده إن ما ثبت تلازمهما لهذا اليوم، فيستحال افتراقهما.
كما يوجد وجه فلسفي أخر في ذلك، وفيه نكتة لطيفة أخرى؛ مفادها إن تلازمهما ـ الكتاب الكريم والعترة النبوية الشريفة ـ قبل يوم الورود بحكم كونهما كتاب وإمام يستن بالكتاب، قرآن (من المصدر قرأ) وقارئه، مجمل ومفصِل، وهما كما يبدو متمايزان الى حد ما، بتمايز أحوال الإشارة الى كل منهما، وبالتالي فأنهما وجهين، وأن توحدا، إلا أن اثنينيتهما هذه ستنتهي يوم ورودهما الحوض على الرسول الأكرم صلوات اله عليه وآله، فيكونا عندئذ متحدين بلا أثنينية، ويكونا كصفة لموصوف، إي أن القرآن سيكون ذات العترة، وهي ستكون موضوعه، وبين الذات والموضوع وحدة متجانسة لا انفصام لها. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م