18 ذو القعدة 1441 هـ   9 تموز 2020 مـ 11:54 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أحكام مجتمعية |  منهجية الرفض في الإسلام... قراءة أولية في فقه المظاهرات
2019-12-22   1386

منهجية الرفض في الإسلام... قراءة أولية في فقه المظاهرات

يتفق علماء الاجتماع، والقريبون منهم من جماعة الجيوسياسي، بأن مظاهر "التظاهرات" التي تشهدها مختلف التجمعات البشرية، إنما هي حالة من التقدم السياسي للمجتمعات الحديثة، بل ويؤكدون بأنها معيار لـ "ديمقراطية الأمم"، وتفهم النخب السياسية للحالة الاجتماعية، وليس من مجانبة للحق في ذلك، إلا إن البعض يجرد الأديان من هذا الوعي ويسلبه الأسبقية في ذلك، بغية ربط مفهوم الدين بما هو سالف وقديم وغير صالح، خصوصا أولئك الذين يعتقدون بأن هذه "التظاهرات" إنما هي من مبتنيات العصور الحديثة جدا، وربما من ولادات ما بعد ميثاق الأمم المتحدة ونظرية العقد الاجتماعي لجان جوك روسو. 
وإن كنا نتفق بأن هذه المظاهر هي تعبيرات حداثوية مؤثرة، وهي نتيجة طبيعية لتراكم الكم الفكري النخبوي للمجتمعات ونمو ضميرها النوعي خصوصا بعد أن مرت البشرية بجملة من التحديات، ليس اقلها الحروب، فضلا عن الانحرافات المجتمعية ومفاهيم الرق والعبودية، بلحاظ إن أول من سلك مسلك التظاهر هم الطبقة المنسحقة قبالة المتنعمة بالسلطة، إلا ان ما نراه في ذلك، إن القائلين بهذا ـ التظاهرات حالة تقدمية للمجتمعات الحديثة ـ يجانبون الحقيقة، لأن الأديان اول من نّور وثّور "العبيد" لأخذ زمام المبادرة بالضد من المتسلطين، بل إن هذا هو الشغل الأهم لمفهوم الدين، كونه بيئة فكرية لها تطبيقات عملية تمنع تزاحم المصالح وتقاطع الرؤى وتسلط الأقوياء على الضعفاء، وتحافظ على الإنسان كقيمة عليا، ومن ذلك مثلا، نجد إن الإسلام يمنح الأفراد والجماعات حق الحرية ـ كنقيض لعبودية السلاطين ـ كما أنه يدعم وبقوة الحالة الشورية في اتخاذ القرارات، سيما المصيرية منها، كل ذلك من خلال نظرية تكاملية تدعو الفرد لتحقيق حالة من التكامل الفردي، وبالتالي التكامل المجتمعي، وصولا لدور الاستخلاف ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))(النور ـ55)، لذا نجد أن الشارع المقدس يأمر بذلك من باب الوجود والتكليف، ((اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى (46))(طه ـ 42 ـ46)، بل وإن القبول بالظلم سيؤدي الى ما لا يحمد عقباه، ((وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا))(الأسراء ـ 8). 
وبعد الأخذ بلحاظ الاعتبار، إن مجاراة الدين الخاتم لكل زمان ومكان، حتم عليه الحديث عن العموميات في الأشياء، وبالتالي فإن عدم تبيانه لجزئية التظاهر، وعدم إعطاءه مصداق لها، لا يعني أنه لم يتطرق إليها، إنما تطرق لحالة عامة تسمح للفرد ـ أي فرد وفي أي زمان ومكان ـ من التعبير عن رفضه للظلم بالطرق التي يراها منسجمة مع عصره، وبالتالي فأن "عدم الوجدان لا يعني عدم الوجود" و"عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم"، لذا سنتطرق لما أقره الإسلام من أحقية التظاهر، وإن كانت بشكليات غير ما يعهدها الناس اليوم، مع إن آلية التظاهر هذه هي الأخرى قد لا تكون المثلى فيما اذا تقدمت المفاهيم المدنية، أو اتفق المجموع على آلية غيرها كأن يتظاهروا من خلف أجهزتهم المحمولة أو أن يتظاهروا ـ يرفضوا الظلم ـ بشكلية تثبت أن المظاهرات الحالية ليست هي المثلى، وهو ما جعل من الإسلام يخطط لخطوط عريضة وعامة تحفظ القيم المجتمعية وتواكب الزمانية والمكانية من خلال منظومة قيم وقواعد تشريعية تُلزم الفرد برفض العبودية مهما كان مصدرها وسببها، وحصرها  لله الواحد القهار. 
وعليه، فإن حالة التظاهر التي تتخذها المجموعات البشرية اليوم إنما هي مصداق صغير وجزئية صغرى من كليات التنظيم الإسلامي للرفض السلطوي الذي يمارسه الحكام ضد المحكومين، كونه ـ الإسلام ـ يؤسس لمبادئ ثابتة تتحرك بشكليات مختلفة حسب الزمان والمكان، وهو بذلك لا يقبل أي تسويغ للحكم أي كان مصدره ـ نعم... أيا كان شكله ومصدره ـ إذا ما لازمه إفساد وظلم للرعية، بخلاف ما يُشاع عن عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم وإن كان فاسقا او فاجرا مستحلا لدماء رعيته، كنظرية خرج بها وعاظ السلاطين وخطباء البلاط لصالح السلطة التي تدر عليهم المال والوجاهة، وهم من الإسلام براء، كونهم بفعلهم هذا، يكذبون على النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله من خلال تلفيق هكذا أحاديث مكذوبة عليه، فضلا عن كون فعلهم المشين هذا إنما هو شرعنة للظلم وتلميع للإستبداد السلطوي. 
وخلاصة قولنا، إن الإسلام يؤسس لمنهجية واضحة في سلوك اتباعه حيال السلطات الظالمة، من خلال ما أوجده الله في داخل الفرد منهم من فطرة سليمة تأبى الظلم وتستنير بالحق والوجدان، داعيا في الوقت نفسه الى ابتكار أساليب شرعية تقيه شر الظلمة من الحكام، بدون تحديد لهذه الأساليب سوى قيد الشرعية، اتساقا مع شروط ومجالات وأوضاع كل مرحلة من المراحل الزمنية وبما لا يتعارض مع القيمية الإسلامية المبنية على قاعدة "لا ضرر ولا ضرار".
وعلى هذا، فأن ما شكلته التظاهرات العصرية من تميز في رفض الظلم والطغيان السلطوي مما يقبله الإسلام ويدعمه ـ بشرطه وشروطه ـ كونه وسيلة مهمة ومؤثرة وناجعة في سياق التصدي للمنكر والفساد وقطع دابر الظالمين، خصوصا إذا ما تمخض عن ذلك حفظ القيم الإلهية والإنسانية وصيانتها من مخاطر تسلط "أئمة الكفر" ((وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ))(التوبة ـ12)، بعيدا عن الطاغوت، ((يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ))(النساء ـ60).
وفي محل تبيان بعض ما ورد من نصوص قرآنية او حديثية تمنح الشرعية لرفض الظلمة ـ والتظاهر ما هو إلا شكلية صغيرة من شكليات هذا الرفض ـ فقد جاء في محكم الكتاب الكريم، قوله تعالى ((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ))(الحجر ـ91)، وقوله تعالى ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6))(القصص ـ 4 ـ 6).
أما عن الأحاديث النبوية الشريفة، فقد أسس النبي الأكلام صلوات الله عليه وآله لمنظومة قيمية تدعو للتحرر من الظلم وتنشئ وعيا رفاضا لكل اشكال التسلط، خصوصا في باب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وأكثر الأحاديث تواتر في ذلك قوله صلوات الله عليه وآله: "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، 
وبعد هذا وذاك، وعلى الاقتضاب الذي قصدناه في مقالنا، فإن الإسلام يدعم أي شكلية لرفض الظلم، ومن ذلك التظاهرات، لأن المستفاد مما ذُكر أعلاه من آي قرآني ونصوص حديثية ـ فضلا عن الثورات التي قادها أهل بيت النبوة ومنهم الإمام الحسين عليه السلام على طاغية عصره يزيد لعنه الله في ثورته الخالدة (الطف) ـ يؤصّل لمشروعية فقهية تتيح للمظلوم رفض الظلم والظالمين من خلال شكلية التظاهر ـ كحد أدنى ـ وإن وسعه غير ذلك فله ما استطاع، شريطة مراعاته للضوابط الشرعية. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م