19 ذو القعدة 1441 هـ   9 تموز 2020 مـ 12:43 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | حقوق الإنسان |  الاستعباد... محاولة لتفكيك منظومة استعباد وقهر الإنسان لبني جنسه
2020-01-08   475

الاستعباد... محاولة لتفكيك منظومة استعباد وقهر الإنسان لبني جنسه

ما أنفك التباين في الآراء والاختلاف في الأفكار من كونه حالة طبيعية ـ بل وصحية ـ في الحياة، وهو أمر طبيعي واقع التجمعات الإنسانية أي كانت، وتكون.. فلا نجد مجموعة بشرية إلا وفيها أكثر من راي وأكثر من فكرة حيال الأمر نفسه، مجتمعات البشرية، بل ولا تخلو ساحة من ساحات المعرفة البشرية من جدليات وطروحات تشكل بمجملها تعددا لمدارس ومذاهب معرفية حيال كل حادثة او معلومة.
ولأن الدين من أهم السوح المعرفية، صار بذلك ـ كغيره من المعارف ـ موردا للتباحث والتفكر، ما ولّد أراء ومدارس معرفيه حياله، وبالتالي فأن الساحة الدينية، هي الأخرى خاضعة لمعادلة التباين في الآراء والاختلاف في الأفكار، حتى داخل ذات الدين وذات الوجهة المذهبية او الفلسفة الدينية، خصوصا إذا ما عرفنا إن مصدر هذا الدين أو ذاك، وهذا المذهب أو ذاك، هو النص ـ وربما بعض الأدلة الأركيولوجية والأنثروبولوجية ـ مع الأخذ بلحاظ الاعتبار أن قراءات النص، وإن شأت فقل استنطاق النص، تحتمل اكثر من رأي، خصوصا وإن الفاصلة الزمنية بيننا وبين زمن النص، ذات آماد طويلة، شهدت تغيرات بل وانقلابات فكرية وثقافية، جعلت ممن يستنطق النص يقرأه بعدة احتمالات، ومصداقنا في ذلك، تعدد النصوص التوراتية، فضلا عن تعدد الأناجيل، وتعدد التفسيرات للآي القرأني.
وباعتبار إن قراءة النص هو الشاهد الأهم على الدين، فأن ظروف صدوره من جهة وأمانة نقله من جهة أخرى، وديناميكية اللغة ـ اللغة في حالة حركة مستمرة ـ قد جعلت من التباين في فهم النص أمرأ حتميا، وهو ما ولّد بالضرورة تباينا في فهمه، وبالتالي تباين في أراء متبنيه، كل حسب مستوى فهمه وذهنيته التفاعلية وتركيبته النفسية وبيئته المعرفية بل واللغوية ومنطلقاته الفكرية، وبالتالي خلق مساحات متعددة تشتغل عليها الأراء والأفكار، وهو ما أنتح الاختلاف بين العلماء والمشتغلين بالبحث الديني.
ومن وجهة نظر شخصية، فإن هذا التباين، هو بمثابة الحافز الإثرائي والدافع التنافسي لتقيد كل ممن لديه معرفة، رايا يسوق ـ مع أراء غيره ـ نظريات كبرى وكليات جامعة مانعة لجزئيات متعددة، يمكن معها بعنوان (دين) يسع الجميع على هذا التباين، مع ضرورة احاطة هذا التنافس المعرفي بالمصداقية والشفافية المعرفية لئلا يتحول الى تصارع اثني او فكري يرتد عكسيا على أصل الأديان وفلسفة الخلق ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا.......))(الحجرات ـ12).
وعلى هذا، فإن المنطق الأخلاقي ومن خلاله الديني، لا يرفض البتة تبني الفرد لرأي ما أو فكرة محددة، ولا يمانع بانتمائه لمدرسة او رؤية او وجهة، بل ويقبل دفاعه عنما يتبناه، بالمنطق والحوار السلمي ((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ....))(النحل ـ119)، بل أبعد من ذلك حقه في اختيار من يوجهه ويقوده كمرجعية انتمائية او فكرية، ينتصر لها ويبشر بأفكارها، إلا أن ذات المنطق، يفرض على هؤلاء أخلاقية محددة في كل ذلك، قوامها المنع من فرض الراي المتبنى بالقسر والإكراه، فضلا عن منحه صفة الحق قبالة غيره من "الباطل"، لأن ذلك سيسوغ اجتثاث الأراء الأخرى، وربما أصحابها أيضا، وهو ما حدث طيلة القرون السابقة، بدء من الحروب الصليبية وانتهاءً بالفكري الديني المتشدد وامثولته القاعدة وداعش.
وحديثنا عن حق الإنسان (فردا وجماعة) في إبداء الرأي مصدره ما تميز به عن غيره من المخلوقات بل وتفضل عليها بالعقل كنعمة وهبة ربانية يستطيع من خلالها إدارة أفكاره وعرضها على المنطق وصولا لبلورة راي خاص به يستطيع بموجبه اتخاذ القرار بحرية تامة، وهو ما جعله أهلا للتكليف، ومن خلاله الاستخلاف الرباني، باعتباره مؤهلا للخطاب الإلهي، ومن بعد ذلك ـ وحسبما يتوجه هو يصل الى ثنائية الثواب والعقاب، ثوابا عن الصواب، وعقابا الخطأ والمعصية.
وبذلك فإن المشيئة الإلهية قضت بأن يكون لهذا المخلوق السامي ـ الإنسان ـ وضعا فكريا يصل من خلاله الى حرية القرار والاختيار، ((إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا))(الإنسان ـ3).  
حديثنا عن الفطرة الطبيعية التي خلقها الله للإنسان، وما لحقها من منح ربانية، ومن أهمها منحة التفكير وإبداء الراي، إلا إن إرادة الشر في عالم الإنسان نفسه ومن وسط أبناء جنسه، تمنع من اتساق هذه المنحة للأخرين من خلال فروض الوصاية الفكرية التي تحرمه من هذه الميزة الربانية العظيمة، إذ يعمد بعض الأفراد ـ والمجموعات التي تصطبغ بإيديولوجيا معينة ـ الى ممارسة الهيمنة والتسلط على الأخرين من خلال مصادرتهم للرأي ومنع الأخرين من التفكير الا ضمن أطر يحددونها لهم سلفا، وصولا لمنعهم ـ بطريقة مباشرة او غير مباشرة ـ من الاختيار، كسلب صريح لحريتهم وعبوديتهم لله الواحد المطلق، واستعبادهم والتسلط عليهم بتقديم فروض الطاعة الحاكمة على هذا السلب، باعتبار إن الجهة المستبدة والمستعبِدة هذه  قد منحت نفسها حق تحديد ساحة التفكير الأخرين، ل وتلزمهم بآرائها هي، وممارساتها هي من خلال وسائل الهيمنة والسلطة، بدء من فرض رأي محدد على المجموع، ولو تطلب الأمر استخدام القوة والإكراه، مرورا بالنيل من حقوق الأخرين المادية والمعنوية ممن له اختيار معارض أو تفكير مناقض، وانتهاءٍ بأسلوب التحقير والتصغير لهم وعزلهم اجتماعية وصبغهم  بصبغة ما توظف العداء لهم على مدى أجيال.
على الرغم من إن منحة العقل والتفكير، منحة ربانية لبني الإنسان، تؤدي بالضرورة الى إرادة خاصة يقرر من خلالها ويختار ما يجده مناسبا له، ويتحمل وفقا لذلك مسؤولية قراره واختياره هذا، الا إن ثقافة الاستعباد لم تقبل بها النسق الرباني، فراح المستعبدون والمتسلطون الإمعان في حرمان الأخرين من استعمال هذه المنحة الإلهية واستثمارها، بفرضهم الوصاية الفكرية على هؤلاء من خلال التفكير عنهم بالنيابة، وليس لهؤلاء الذين صودرت حريتهم هذه، إلا القبول بآراء الفئة المستبدة والمستعبدة وإلا فالقوة والبطش هو السبيل الى ذلك، ودافعهم على ذلك هو دافع مصلحي بحت، يهدف الى تحقيق الصنمية البشرية التي يحققون من خلالها الهيمنة عليهم استتباعهم لهم بل واستعبادهم حتى، مع إن ظاهر تبريراتهم هو إن الأخرين في قصور فكري وضحالة في الوعي، تستوجب من هؤلاء ـ باعتبارهم نخبة او صفوة ـ في فرض أراءهم على المجموع، لأنه هذه الصفوة "مخلصة"، وأدرة بالحقيقة!
وإذا ما عرضنا حجتهم هذه، على المنطق، سنجد إن كل صاحب فكرة، يجد في فكرته أحقية الحقيقة، ويرجو ويأمل في أن تشيع فكرته وتصير نظاما لملة البشر، وعندئذ نعي أن جميع هذه الأفكار البشرية، قابلة التخطئة، وعرضة للنقاش، خصوصا م الوجهة الشرعية، فضلا عن العقلية، لأن اعتقاد هذا الطرف أو ذاك بصواب رأيه وحكمة اختباره ورغبته في إتباع الآخرين له، لا يسوغ له استخدام الإكراه الموصول لهذه النتيجة، وإلا عدّ ذلك استعبادا لإن الحجة بشكل عام تحتاج للإقناع وليس الإكراه، ومن يرفض الاقتناع فهو حُرٌّ في اختياره محقًّا كان أو مبطلاً، و ليس من العقل و المنطق إجباره وقهره على شيء ما، خصوصا وإن الخالق المطلق ـ على عظيم خلقه لهم ومنّه عليه بما لا يسعه العد من النعم، فإنه لم يجبر أحدا على الإيمان به، غذ نجد إن الكثير من الآيات القرآنية الشريفة تؤكد على إن الإيمان بالله لا يُقبل بالإجبار والقوة، بل لاب بد أن يكون عن حرية مقرونة بالوعي ، وما ارسال الرسل والإنباء إلا للتبليغ، ومن بعد ذلك، فللإنسان الحرية في اختبار وجهة الإيمان او الكفران ((وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ... ))(الكهف ـ29)، بل وانه منح كل من المؤمن به والكافر به ذات الفرص في الحياة السوية، (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا))(الإسراء ـ20)، خصوصا وإن مشيئته يمكنها ان تصيرهم كلهم مؤمنين ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ))(يونس ـ99)، إلا أن ذلك ما لا تريده المشيئة الربانية، بل ومنع منها سبحانه وتعالى حتى أنبياءه من حملة رسالته كما تبينه أخر الآية الشريفة، بل وامنع جل شأنه في تقرير هذا الحق للإنسان بقوله جل وعلا ((ا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))(البقرة ـ256).
وبعد هذه الأدلة على حق الإنسان بممارسة المنحة الربانية في استصناع رايه بشكل شخصي دوم إكراه، يُثار تساؤل مهم في ذات الصدد، قوامه: إذا كان الله سبحانه وتعالى لم يفرض على عباده الإيمان به بالإكراه والقهر، على الرغم من علمه بالأصلح والأنفع لهم، وشاء ان يجعل ذلك ضمن دورة الابتلاء الدنيوية المسماة بدار الاختيار والاختبار، ما هو المسوغ الفكري للأفراد أو الجماعات المستبدة في فرض أراءها وايدولوجياته على الأخرين، حتى وإن كان ذلك بإسم الله ودفاعا عنه؟
وهو ما سنجيب عنه في مقالات أخرى إن شاء الله. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م