18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 10:11 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | حقوق الإنسان |  الحفاظ على منظومة السلم المجتمعي في الإسلام
2018-01-04   630

الحفاظ على منظومة السلم المجتمعي في الإسلام

يعد الأمن والسلم المجتمعي هاجس إنسان اليوم، خصوصا وهو يعاني الحروب وارهاصاتها فضلا عن موجات التشظي الإنساني الناتج عن الخوف من الجوع وربما حرب المياه وحالات الأدلجة والتخدقات التي بدت تضرب هذا الكوكب وتجعل الأفراد فيه خائفين من مستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة.
فبين ان يخاف الإنسان على وجوده ككائن حي مرة وعلى كينونته كانسان له حقوق طبيعية وغرائز لا تنفك عنه كحاجته للأمان والسلام والراحة وعدم إكراهه فكريا وعقائديا ـــ مرة أخرى، مع الأخذ بنظر الاعتبار وسائل الإكراه الفكري والثقافي الحالية، هيئ الإسلام لما يبدد كل هذه المخاوف ويذوبها في بوتقة الأمن والأمان.
ولا يُحصر مفهوم الأمن المجتمعي على جزئية الحفاظ على حياة الأفراد في المجتمع إنما ينسحب الأمر حتى الى الحفاظ على الحريات الفكرية والتنوع الإنساني والتعددية فضلا عن الجوانب السياسية والاقتصادية بل وحتى الطبيعية ومنه بالطبع الحفاظ على المجموع البشري من كوارث الطبيعة ومحاربته لمن يستعمر الطبيعة والبيئة بغير وجهتها الحقة.
 وبالطبع فأن الجوع والخوف عوامل تهدد الكيان البشري وتهوي به لغير جادة الخلقة السوية في عبادة الله الواحد ((فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف))(قريش ـــ4)، ووسط كل ما تمر به الإنسانية من فوضى تضارب المصالح والشتات المجتمعي الناتج عن حالة الحروب الطويلة،  جاء الإسلام ليوفر افضل بيئات السلم المجتمعي وأعلى مستوياته، من خلال مقومات محددة بعينها دون سواها، فبدءً من ضمانة التكافل والتكاتف الاجتماعي ـــ كحقوق مالية تكافلية ـــ التي ترتكز عليها الكثير من العلاقات في الإسلام وصولا لسيادة القانون ـــ القانون الالهي ــ كونه مبعث اطمئنان لدى الناس وبالأخص عندما يبدد خوف الأفراد فيه الا من الله جل وعلا، وهو ما جعل الشارع المقدس يمنع من ترويع الناس حيث قرن ذلك النبي الأكرم بمن يؤذيه شخصيا "من آذى مؤمناً فقد آذاني" ومنع من بعده امير المؤمنين علي عليه السلام قائلا "لا يحل لمسلم أن يروع مؤمناً"، ومن ثم نبذ الإسلام العنف ودعا الى تأصير العلاقات الإنسانية بثقافة التسامح وقبول الأخر والتعايش معه عّادا مداراة الناس كأداء الفرائض بل وعدها نصف الأيمان، وقد درّع الإسلام أمنه المجتمعي بعدد من الآليات والوسائل منها مثلا منظومة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تُكلف الأفراد ـــ بضوابط معينة ـــ حماية المجتمع وافراده، حسب التوجيه السماوي ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وأولئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ))(ال عمران ـــ 104)، بما يكفل توفير حماية مجتمعية ذاتية؛ ترادف الحماية السيادية التي توفرها الدولة في الأنظمة الإسلامية ((يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وأولئك مِنَ الصَّالِحِينَ))(آل عمران ـــ114)، وبذلك يتحصل المجتمع المسلم على ديناميكية خاصة في الإصلاح والتقويم، من خلال محاربة افراده لأي شكل من اشكال الخطأ؛ كمسؤولية جماعية وبمسارين اثنين، أولهما الأمر بالمعروف كموجه أولي قبل قيام الفرد بالفعل المستهجن، وفي حالة عدم امتثاله يصار الى المسار الثاني المتمثل في النهي عن المنكر، وفقا لثلاث مستويات هي القدرة الفعلية (نفوذ اليد) ومن ثم النصيحة والرفض (القدرة الكلامية) وأخرها الرجاء القلبي "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" . 
كما أسس الإسلام لضابطة أخرى في ضبط أمنه المجتمعي، إذ يتمثل ذراعها في الحدود والقضاء كقوة رادعة لمن تسول له نفسه اثارة القلق في نفوس افراد المجتمع، وذلك من خلال منظومة قانونية وقضائية وعقابية تضمن الحفاظ على البنية المجتمعية.
ولما كانت بعض الخطايا والآثام التي يقترفها الفرد ـــ حتى الفردية منها ـــ لها تأثير وإسقاط مجتمعي، كأن يكون فعل الفاحش مثلا امام الملأ يجرح الشعور المجتمعي بالثقة والاتزان، وذات الأمر ينطبق على الذنوب الفردية، صارت الضرورة الى قاعدة مجتمعية تسمى دفع الكفارات، وهي عقوبات للفرد اذا اقترف خطأ وكان لخطأه هذا اثار اجتماعية، فيدفع ـــ بعد تحصيل عقوبات أخرى ـــ مبلغ من المال على شكلية معينة لمصالحة مجتمعه وتصحيح موقفه كأن يعتق رقاب العبيد ـــ أن كانوا موجودين ـــ او يطعم مساكين المجتمع ممن يقع عليهم حيف ذنوبه وإساءته كنوع من الضريبة المالية من جهة ونوع من الترضية المجتمعية من جهة أخرى.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م