13 صفر 1442 هـ   1 تشرين الأول 2020 مـ 10:56 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  كافة للناس... عالمية القرآن الكريم واستغراقه للبشر جميعا
2020-09-02   466

كافة للناس... عالمية القرآن الكريم واستغراقه للبشر جميعا

يأخذ القرآن الكريم مكانة سامية في نفوس المؤمنين به، وهو ما جعل من تعالميه الهادفة تواكب مسيرة الإنسان ـ كل إنسان ـ وترشده جادة الصواب، كونه من الله سبحانه وتعالى، وهو ما يعني بأنه ينشد السكينة للخلق، والرشاد لهم، هذا من جهة، ناهيك عن مواكبته للحياة أنى كانت وتكون، من جهة ثانية.
ويتماز القرآن الكريم عن سائر الكتب المقدسة بجملة مميزات، تثبت بشكل لا جدال فيه ولا مراء، عظمة مرسله، وأنه سماوي قطعا، ومن ذلك بلاغته منقطة النظير، واستغراقه لجميع نواحي الحياة، الآخروية منها والدنيوية، دون أن يغادر صغيرة منها أو كبيرة، وهو بذلك يجمع بين العمق الديني الذي تؤسس له فكرة الأديان، الى جانب المسحة الفنية التي تخلب الألباب وتشد السامع وتجذب حتى ذوي القلوب القاسية، حتى أنه صار الأوسع على ادراك واستغراق الحضارات البشرية مهما تقدمه، والتفوق على المعرفة البشرية مهما تطورت، تاركا في نفوس المؤمنين به حسا حقيقيا بأنه كلام ليس بشريا أبدا.
وإذا جاز لنا أن نصف القرآن الكريم بأنه كتاب هداية وتشريع، فهو صواب، ولكن الأصوب أنه كتاب شمولي، يستقرأ المجهول، يغور في الحياة، يربط الأسباب بالمسببات، يصف الحقيقة، يصوب ما خلط على افهام الناس فيما سبق من أديان، ومن ثم يدلنا صوب الله، صوب السكينة التي صارت بتعقد الحياة؛ ضالة الخلق وفقيدتهم، وهو بذلك الدليل الأنصع والنموذج الأصدق لحل المشكل البشري الذي لازم الحياة وتطورها، بمعنى أن التطور ـ على الرغم مما اثبته وحققه ـ والمعرفة البشرية ـ برغم ما وصلت اليه وأنتجته ـ يبقيان عيالان على مرشد سماوي حق، وفقيرات لدليل لا يخطأ، فكان ذلك هو القرآن الكريم.
حديثنا على القرآن الكريم وهدفيته لإسعاد الإنسان، لم تقتصر على قوم دون أخر، ولا اقليم دون غيره، فعلى الرغم من كونه عربي اللسان، بل وعربي الجغرافية التي نزل فيه، إلا أنه عالمي الدلالية، إنساني الهدف، مع أن عربيته هذه، إنما هي من أجلى مظاهر أعجازه، خصوصا وأن العرب وقت نزوله كانوا سادة الفصاحة والبلاغة، ما يعني أن بلاغته، أنما هي ملمحا أخرا من ملامح سماويته تضاف الى معاجزه التشريعية والغيبية بل والعلمية على مختلف صنوفها.
وإمعانا منا في تبيان عالمية هذا الكتاب العظيم، لا بد لنا من أن نعرج على مدلول الخطاب القرآني الذي يستخدم مفردة "الناس" بمدلولها المطلق، وهو بذلك إنما يقصد كل الناس، لا العرب منه ولا العجم، إنما الكل على حد سواء، ومن ذلك قوله عز وجل ((قُل يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ آللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا))(سورة الأعراف ـ 158)، وهو تصريح واضح بما لا لبس فيه بأن هذا الكتاب وحامله، إنما قصدا الناس أجمع، بدلالة لفظة "جميعا" في ذيل الآية الشريفة، فكان فيهم الأسود والأبيض، العربي والأعجمي، الشرقي والغربي، المؤمن والكافر، بل أنها ـ كلمة جميعا ـ مستغرقة لكل أجناسهم.
أما قوله جل وعلا : ((وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيرا))( سورة سبأ ـ 28) فهي بيان اصرح وأوضح مما سبق، خصوصا إذا ما ضمت الى قوله تعالى ((وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ رَحمَةً لِّلعالَمِينَ))(سورة الأنبياء ـ 107) ليكون القرآن بذلك خطاب الله الى عباده عموما وإن حامله إليهم هو رسوله لهم جميعا، على الرغم من عربيته. ثم يأتي قوله سبحانه ((وَأَرسَلنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللهِ شَهيدا)) (سورة النساء  ـ 79) فاصلة نهائية بأنهم ـ كلهم ـ مقصودين من هذا الخطاب، بل وإنهم مسؤولون عما فيه.
من جهة أخرى، فأن القرآن الكريم يستخدم أسلوبا أخرا في تعميمه لخطابه، وهو توظيف آيات الخلق فيما خلق، كالظواهر الكونية وآياته الأخرى، وحث الناس على التفكر والتدبر والتفكر والتبصر بها خصوصا لذوي الألباب والعقول منهم، وهو خطاب عام لا يخص العرب دون غيرهم، أو أهل الجزيرة دون سواهم، كفوله تعالى ((الَّذِينَ يَذكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم وَيِتِفِكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَطِلاً سُبحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار))( سورة آل عمران ـ 191) وقوله تعالى ((اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَ اسْتَوَى عَلَى العَرشِ وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌ يَجرِي لأَجَلٍ مُّسَمّىً))(سورة الرعد ـ 2)، وقوله تعالى ((وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ آثْنَيْنِ يُغْشِي الَّليْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ))(سورة الرعد ـ 3) وقوله تعالى ((هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرقَ خَوفاً وَطَمَعاً وينشئ بالسحاب الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُم يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيِدُ المِحَالِ))(سورة الرعد ـ 12 ـ 13) وقوله تعالى ((قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمَا تُغنِي الآيات وَالنُّذُرُ عَن قَومٍ لاَّ يُؤمِنُونَ))(سورة يونس ـ 101) وقوله تعالى ((وَءَايَةٌ لَّهُمُ الليل نَسلَخُ مِنهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظلِمُونَ (37) وَالشَّمسُ تَجرِي لِمُستَقَرٍ لَّهَا ذَلِكَ تَقدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ (38) وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرجُونِ القَدِيمِ (39) لاَ الشَّمسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدرِكَ القَمَرَ وَلاَ الَّليْلُ سَابِقٌ النهار وَكُلٌ فِي فَلَكٍ يَسبَحُونَ (40)(سورة يس ـ 37 ـ 40)، حيث إن استقرار السماء دون عمد وثبات الأرض دون وتد والشمس والقمر والرواسي والأنهار وزوجية الكائنات وعجيب الثمرات والأهلة وغير ذلك من عظيم ما خلق، إنما قد سُخرت لعامة الناس، وإن كان للمؤمنين منه حصة الاعتبار منها والاستبصار فيها أكثر مما لغيرهم.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م