18 صفر 1441 هـ   18 تشرين الأول 2019 مـ 9:47 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | حقوق البيئة والطبيعة |  كيف ينظر ويُنّظر الإسلام لعمارة الإرض وإدامتها؟
2018-01-04   836

كيف ينظر ويُنّظر الإسلام لعمارة الإرض وإدامتها؟

يؤسس القرآن الكريم بمنظومة كبيرة من آياته الشريفات الى الأم الأولى ـــ الأرض ـــ وما اصطلاحنا عليها بالأمومة إلا لأنها مصدر الإنشاء الأول كون الخلق الأول إنما كان من الأرض؛ إذ ان مادة الإنسان مادتها، هذا من جهة، فضلا عن كونها رحم وجوده؛ في حياته وحضنه بعد مماته (حسب الكثير من عقائد الناس في دفن موتاهم)، وهذا يدعوه ـــ الإنسان ـــ الى إدامة هذا الإنشاء وعمارته كموطن دائم له حسب قوله جل وعلا ((هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)) (هود ـــ 61).
ويقع مفهوم الاستعمار هنا بعد مفهوم التسخير الذي سخر الله جل وتعالى كل خلقه لصالح الإنسان، مع اشتراطه عليه بعمارة هذا الخلق والحفاظ على ديمومته في بيئة عامرة ((سخر لكم ما في السموات وما في الأرض))(الجاثية ـــ13)،(( َسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)) ( إبراهيم ـــ3)، خصوصا وإن القرآن يؤكد من جهة أخرى على أن جميع خلق الله إنما خلقوا لصالح الإنسان ((وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا))(لقمان ـــ20). 
وما تكليف الله الإنسان بعمارة الأرض إلا بعد أن فوض له أمر إصلاحها بتسخيره جميع ما عليها لخدمته بعد تهيئة ظروف ووسائل ذلك بما يمنحه منفعتها الحقيقية، ليبقى واجبه الدائم في إدامة ذلك فيها وجعلها على سبيل الدوام عامرة بثرواتها ومنافعها.
ومن أجلى مصاديق عمارة الأرض هو استثمار الإنسان لها بتثوير طاقاتها وكوامنها بل وترويض ثوراتها وغضبها، ومنه مثلا استفادته من المعادن الكامنة في جوفها وتوظيف سطحها بالزراعة وتحري كل فائدة فيها، من خلال إعمال العقل والفكر والابتكار في استصلاحها بما لا ينافي أصل الخلقة ولا يتقاطع مع علوية الحفاظ على النظام العام في الحياة البشرية. 
ومن المهم جدا ان نعي أن فلسلفة الأديان لا تنتهي عند الحالة الطقوسية والشعائرية، بل تتعدى ذلك كثيرا، فالأصل فيها هو تكامل الإنسان وتساميه ولا يكون ذلك الا من خلال توأمة الطقسنة الدينية وإدامة وعمارة الأرض، كتوفيق بين الدين والدينا، وهو ما كان يوجه به النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله بأصعب الظروف كحديثه الذي قال فيه: "إن قامت الساعة على أحدكم وفي يده فسيلة يريد أن يغرسها فليغرسها ولا يقول قد قامت الساعة"؛ فضلا عما قاله الخليفة الشرعي من بعده ؛الإمام علي عليهما السلام "اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا، واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا"، كتأسيس منه لحالة توازن فكري وروحي وعقائدي بجميع متعلقات الإنسان الدنيوية والاخروية، فبين أن يركن الإنسان الى مادية الحياة ويتجاهل المآل الأخير، او أن يسعى للتحضير لأخرته بتعطيل دنياه، ثمة ضرورة للجمع بينهما، وهو ما جعل الإسلام بالضد من حالة الرهبنة والتبتل المطلق؛ إذ "لا رهبانية في الإسلام". 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م