13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 7:05 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | قصص قرآنية |  الابتلاء والافتتان... قبس من قصص النبي سليمان عليه السلام
2020-10-05   1341

الابتلاء والافتتان... قبس من قصص النبي سليمان عليه السلام

تتميز القصص القرآنية ـ دون غيرها ـ بالموضوعية والواقعية والشفافية من جهة، والغرض التصحيحي لما حرفه السابقون من جهة ثانية، فضلا عن تبنيها للجانب السردي الذي يشُّد المتلقي لفلك الاعتبار مما يُقص عليه، وهي ميزات تُجمل على المؤمن بالقرآن الكريم فهما كافيا لما حدث، بل والاستفادة منه في حياته، خصوصا وإنها قصص محبوكة بشكلية معينة ومصداقية لا متناهية، وهو ما يجعل لها ـ بداعي دقة سبكها وشفافية سردها ومصداقيتها وصفها ـ أثرا تبليغيا وإرشاديا لا يمكن أن يكون بغيرها، خصوصا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار محاولات الحكائين من جهة، وأقلام السلطان المأجورة من جهة ثانية، وأصحاب المآرب والأغراض السياسية والاجتماعية وربما العقائدية من جهة أخرى، في ترسيم ملامح غير حقيقية لحياة الماضيين وأحداثهم، خصوصا الأنبياء والمصلحين منهم، وكفى بهذا سببا منطقيا لتبني القرآن الكريم للأسلوب القصصي بما يجلي الحقيقية ويوضح اللبس ويفك الالتباس ويجعل في كل ذلك ما يحتاجه المرء من أمثولات وقدوات تُشكل لديه فارقا أسمه العِبرة. 
وحديثنا في هذا المقال عن النبي سليمان عليه السلام، إنما جاء ردا على التخرصات التي كيلت لهذا النبي العظيم، وأسطرة الحوادث التي حدثت في حياته، بل وجره لما يتصف به الملوك والسلاطين من ظلم وفحش، حاشاه ذلك، بما يقلل من شأنه كنبي، وبالتالي بمرسله جل شأنه، ومن ذلك الافتراء عليه بسعة ملكه وتفضيل وزيره عليه، فضلا عن وصفه بالترف المؤدي بالضرورة الى الظلم، أو الناتج عنه أصلا، ليأتي الرد القرآني مزلزلا لما أحيك ضده عليه السلام، فضلا عما صححه أهل بيت النبوة عليهم السلام فيما روي عنه حيال الافتراءات التي أتهم بها عليه السلام، ومن أهم هذه الفتن هي قصة إلقاء جسد الميت على كرسي النبي عليه السلام.
بداية، فأن النبي سلميان عليه السلام إنما هو الأبن الصلبي للنبي داود عليه السلام، ((وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ  نِعْمَ الْعَبْدُ  إِنَّهُ أَوَّابٌ))(سورة ص ـ30)، وهو ما يعني بأنه عليه السلام كان قد ترعرع في بيت النبوة وبين أركان الوحي فيها، بل وأنه تلقى سماته من أبيه، وتخلق بخلقه بعد أن وهبه له وهبا، والوهب يأتي عن نعمة ومنة ربانية لمن يستحقها، وهو ما جعل منه عبدا أوابا ـ الأواب هو التعبد بأجلى صور العبودية ـ بل وتراجعا عن كل ما يكره خالقه الى ما يحبه ـ وهو بذلك العبد الأصلح ((نِعْمَ الْعَبْدُ  إِنَّهُ أَوَّابٌ))، ناهيك عن وراثته من أبيه ما يجعل منه مادة للنبوة ومصداق للاجتباء الرباني ((وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ  وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ  إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ))(سورة النمل ـ 16)، ناهيك عن تسلمه لجزء من مقاليد الولاية التكوينية بالقدر الذي يريده الله له كسلطته على الطير، وفهمه للغاتهم، ما جعل من وراثته لأبيه داود عليه السلام ليس وراثة المال وحسب، إنما ورث عنه ايضا الملك والعلم والنبوة.
وعلى عظم ما مُنح به سليمان عليه السلام من منح ومنن إلهيه، إلا أنه كان كغيره من الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام، محل ابتلاء وافتتان، على اعتبار أن الفتنة والابتلاء أنما هي من معايير الله سبحانه وتعالى لأنبيائه ورسله، يرفعهم بها درجات فوق درجاتهم، سموا لمنازلهم عنده جل شأنه، فضلا عن كونها ـ الفتن والابتلاءات التي يفتتن ويبتلى بها صفوة العباد من انبياء ورسل ـ دروسا وعبر لباقي الناس خصوصا في الصبر والشكر على ما يُمنحون ويمنعُون. 
ومن أصعب الفتن التي أفتتن بها النبي لسيمان عليه السلام هي القاء الميت على كرسيه ((وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ))(سورة ص ـ 34) وهو امتحان صعب  ومثير، كونه سيشكك الناس بهذا النبي، وقد يحرفهم عنه، بل وأنهم قد يتهموه بما ليس فيه، وهو ابتلاء عظيم، فضلا عن عظمة ابتلاء الأمة به.
فعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: "أن الجن والشياطين لما ولد لسليمان عليه السلام أبن؛ قال بعضهم لبعض: "إن عاش له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء"، فأشفق عليه السلام منهم عليه، فاسترضعه في المزن وهو السحاب، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا، تنبيها على أن الحذر لا ينفع عن القدر، وإنما عوتب عليه السلام على خوفه من الشياطين"، خصوصا وأنه عليه السلام كان قد قال في مجلس له بحضور الجميع بأنه سيطوف ليلته هذه على مئة امرأة كي تلد واحدة منهن غلاما يضرُبُ بالسيف في سبيل الله، وكان كلاما على نحو المحبة للولد والاستطاعة بعون الله ومنته، حتى نزهه الله سبحانه وتعالى عما في نفسه من حرص دنيوي، ليس لعلة في الحرص؛ إنما منعا لأن يكون قدوة لغيره من الناس العاديين ممن قد يسيئون فهم المنة الرباني في كثرة الخلف، وهو ما تنبه له عليه السلام وراح مستغفرا لله فزعا لصلاته ودعائه، ليتحصل بعد ذلك على النعم الإلهية جملة وتفصيلا كتسخير الريح له، وتسليه على الشياطين بناة وغواصين ومقرنين ((قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ(40))(سورة ص ـ 35 ـ40)، وبذلك كان عليه السلام مثلا للعبد الآواب ومصداقا للمؤمن الحق، على اعتبار صبره فيما ابتلي وافتتن. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م