13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 6:47 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات في القرآن الكريم |  هل القرآن كتاب قصصي أم تنظيمي؟ قراءة في الموسوعية القرآنية
2021-03-20   377

هل القرآن كتاب قصصي أم تنظيمي؟ قراءة في الموسوعية القرآنية

القرآن الكريم كتاب هداية، أنزل على النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله للبشرية كلها؛ ليهديها للتي هي أقوم ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)) (البقرة-2)، ولا تضيق هذه الهداية بمسار واحد وتكتفي به، بل تتفرق لعدة مسارات تشمل كل مفاصل حياة الإنسان الدنيوية منها والأخروية، لذلك نجد القرآن الكريم قد خاض في كل المجالات الدينية والتربوية والعلمية وأسس لقوانين وأحكام شرعية حاكمة على الإنسان وفق المنظور الإلهي، لذلك نجد ان توجيهات القرآن الكريم وإرشاداته عديدة ومتنوعة؛ نذكر منها ما كان في العقائد والتي هي أس الدين حيث بين بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن العقيدة الإسلامية هي الأصلح للناس كافة من بين كل العقائد السماوية والوضعية؛ وأنها العقيدة التي تأمن لها النفوس وتركن وتستقر بأحكامها الشرعية كونها العقيدة الخاتمة المتطورة على سابقاتها الشاملة لكل ما جاء قبلها.
وقد تطرق القرآن الكريم كذلك إلى علم الأخلاق حتى أعطى دروسا ومواعظا قيمة تدفع بالإنسان للتحلي بالفضائل الحسنة والخصال الحميدة التي ترتقي به لمستوى الخلافة الإلهية التي جُعل لها، مبينا له رذائل الأمور ومساوئها التي تتسافل به لمستوى الحيوانية الغريزية؛ كي يبتعد عنها، كما وقد تطرق في باب العلوم الإنسانية جميعها رامزا لكلياتها؛ مشجعا على الخوض في غمارها؛ شعورا منه بأنها وسيلة لتسهيل حياة الإنسان باستثمار كل ما متوفر لديه من عطاء ربه.
كل هذا الأبواب وغيرها جعلته كتابا منفتحا على كل أبواب المعرفة؛ وغير منحصرا بمجال يضيق به، أما المجال التاريخي القصصي فقد اتبع باب أخذ العبرة والموعظة منها وبيانها للناس بما ينفعهم في حياتهم وآخرتهم ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) (يوسف-111)؛ لذلك كان الاختيار لأحسن القصص المصدقة بتصديق العليم الخبير ((نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)) (يوسف-3).
إن تميز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية والوضعية؛ يكم في أنه سار بمنحى معرفي توجيهي وإرشادي للناس حيث خاض بالكليات تاركا التفصيل والبيان للنبي وسنته المصدقة بالكتاب ((......... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل 44) وسيرة الأئمة الأطهار من أهل بيته من بعده؛ ممن يشكل الثقل الثاني بعد الكتاب حسب حديث الثقلين المتواتر (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا وقد أعلمني الخبير اللطيف أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
لكل هذا؛ شكل القرآن الكريم موسوعة معرفية شاملة وباب هداية واسع للناس، جعل له في كل موضوع بصمة علمت الناس أن صلاح عالم الدنيا الذي هو عالم زوال لا يكون إلا بالعقيدة السليمة والعمل الصالح وفيهما النجاة من عذاب يوم الحساب الأكبر والفوز بمرضاة الله؛ وأن هذا العالم الدنيوي بمثابة جواز مرور للعالم الآخر عالم البقاء الأبدي.

في الأخلاق
خاض القرآن الكريم كثيرا في علم الأخلاق في بعديه النظري والعملي واضعا أحكاما وتشريعات تضبط توازن العلاقة بين الناس أنفسهم، وبينهم وبين خالقهم، بشكل فردي أو جماعي؛ وقد تشعب في تفصيلات عديدة تخص مفردات حياتهم واضعا القوانين لها معتبراً أن التلازم بين البعدين؛ فيه التكامل الذي لا يمكن انفصامه، فالإيمان يكون للعمل الصالح بمثابة الروح للجسد ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ )) (البينة-7) والغاية دائما تعليم الإنسان الخصال الحميدة والأخلاق الحسنة التي ترفع مقامه من حضيض الرذيلة والحيوانية الغريزية ((وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)) (الشمس-7-8-9-10) إلى مقام الخلافة الإلهية الذي فيه الرقي.
كما إن مسألة تهذيب الغرائز الإنسانية وبيان كيفية السيطرة عليها بقوانين وأحكام فقهية شرعية تمثل صلب عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، والتي تبدأ بالتعريف بالعقيدة الصحيحة التي منها يتبين العمل الصالح المقترن بها؛ فالأمانة وصدق الحديث ورقابة الضمير والابتعاد عن النميمة والبخل والضغينة تمثل أصلا في أخلاقية الإسلام؛ يراد من تعليمها رفع قدر الإنسان ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) (التين-4) لمقامات أعلى.
كما إن لدعوات القرآن الكريم النظرية؛ مثال عملي حي يجسدها شخص الرسول الكريم صلى الله عليه واله وسيرته الكريمة حتى دعي المسلمون أن يتخذوه قدوة حسنة لهم ((لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّـهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّـهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّـهَ كَثِيرًا)) (الأحزاب-21) كونه المثل الأعلى في الأخلاق بحيث وصفه الله في محكم كتابه بالخلق العظيم ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) (القلم-4)، وقد وصف الرسول الكريم صلى الله عليه وآله لرسالته بأنها متممة للأخلاق (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) جاء تأكيدا لدعوات القرآن الكريم الأخلاقية وأنه فعلا المثال الحي المجسد للنظرية. 

في العلوم الأخرى
يقاس مقدار تقدم وتطور الأمم وتحضرها بمقدار ما وصلت إليه من تقدم علمي وحضاري تخدم فيه شعوبها والبشرية أجمع لترفع به من مستوى الرقي والمدنية.
وهذه الاكتشافات العلمية لم تأتي دون جهد وسعي حثيث جاء متوافقا مع التسخير الإلهي لكل ما في الكون في خدمة الإنسان وتيسير حياته ((..........أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)) (لقمان-20).
ولكون القرآن كتاب موسوعي لا يقف عند حد، فقد خاض في المجال العلمي أيضا بحيث حث الناس في آيات كثيرة على طلب العلم والبحث العلمي وفي كل مجالات الحياة المادية منها والاعتبارية بما يسهل أمر معيشتهم ويرفع عنهم صعوبات الحياة التي تعيق مسيرة تقدمهم حتى جعل العلم مقياسا للتفاضل بين الناس ((.........قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)) (الزمر-9) وكانت الأفضلية مؤكدة للعلماء على العوام وهذا جلي في آياته لما يحملوه من علوم ونظريات تخدم تطور البشرية وتقدمها المعرفي والحضاري لذلك رفع العلماء عن غيرهم درجات حتى قال فيهم ((.........يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ....... )) (المجادلة-11).

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م