13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 7:01 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أحكام مجتمعية |  الإنسان في القرآن الكريم... ظلوم، جهول، عجول، ضعيف، كّفار
2021-06-07   645

الإنسان في القرآن الكريم... ظلوم، جهول، عجول، ضعيف، كّفار

((إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً))(سورة الأحزاب ـ 72)..
((وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا))(سورة الكهف ـ54)..
((وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ))(سورة ابراهيم ـ34)..
((وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا ))(سورة الإسراء ـ11)..
((.....وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ))(سورة النساء ـ 28)..
يلاحظ القارئ للقرآن الكريم في الآيات أعلاه، أن القرآن الكريم قد ذم ـ بشكل صريح وواضح ـ الإنسان، بل وقرنه بما هو مذموم من الصفات؛ بل ويلمس القارئ للقرآن الكريم، أن ذما كثيرا ورد في هذه الآيات الشريفات وغيرها؛ للإنسان، وبالطبع؛ فإن المراد بهذا الإنسان، ليس فردا مخصوصا، إنما الحديث ـ وبالتالي الذم ـ للنوع بصورة عامة، وهو ما يدعو للتأمل والتدبر فيما يراد من هذا الذم.
وبقراءة تنموية وبحث اجتماعي، سيجد القارئ للقرآن الكريم أن ذم الأخير للإنسان يستبطن تعريفا بالإنسان، وتأكيدا على وجود هذه الصفات المذمومة، وبالتالي فأنه ـ الإنسان ـ يستحق هذا اللوم والذم!، وإن كان هذا ما لا يريده القرآن بغي حال من الأحوال.
كما يلمس قارئ القرآن الكريم، بأن الذم لم يكن سطحيا ولا عابرا، إنما ورد على النحو التأكيدي، ولمرات كثيرة عبر سور مختلفة، طويلة وقصيرة، مكية ومدنية، بل وفي أحوال عديدة، مع كون هذه الصفات شديدة الذمية، وناقدة بشكل منهجي؛ وهو ما قد يجره للسلبية بشكل مطلق، حسب تصور البعض، أي أه هذا التبيان والذم قد يجعل منه ـ الإنسان ـ كائنا سلبيا، لأن القرآن الكريم قد هُيء لهذا النقد، اساليبا عديدة وتوصيفاته كثيرا، بل وأنه اشتغل على ذم الإنسان بأسلوب لاذع وجاف، وهو ما يوهم البعض بأن القرآن الكريم أمعن كثيرا في ذم الإنسان دونما سبب، وبالتالي تركيز السلبية فيه، ـ حاشا لكتاب الله من ذلك ـ! بل وقد يراه البعض بأنه موقفا نقديا مسبقا، خصوصا وأنه يذم الإنسان، كل إنسان، عبر أجيال المسيرة البشرية، وبالتالي فأن المسيرة التكاملية لهذا الكائن لن تخلو هي الأخرى من هذا النقد والذم.
وقد يتوهم المتوهم بأن خلف هذا التقييم النقدي السلبي ما خلفه، فقد يتوهم بأنه ثمة نزعة تشاؤمية يكنها القرآن الكريم للإنسانّ، خصوصا وأن تركيز هذه الصورة النمطية ـ بكون الإنسان مذموما ـ ستؤسس لرؤية سلبية وذمّية متكاثرة، وهذا ما قد يولد تكاسل في المنهج التصحيحي أو التكاملي له ـ الإنسان ـ لأنها تنزع به سلبا بتغليب العناصر السلبية في سلوكه على حساب الإيجابية، ما قد يغلب الجانب التشاؤمي في سلوكه بعيدا عن الجانب الإيجابي والمتفائل!
بل وقد يراها أخر، كالمستشرقين مثلا، فرصة سانحة لتقطيع الوصل بين الإنسان والقرآن، على فرض أن الأخير يجر الأول للسلبية، بل وقد يغالون بالوصف، ويؤسسون لمفهوم التضاد بين القرآن والإنسان، وربما التصارع بينهما.
وهنا لا بد لنا ـ بعد التحليل والتدقيق ـ من أن نُبّسط الفكرة بعدة عناوين، خصوصا وإن هذا الذم القرآني بعيد كل البعد عن النظرة التشاؤمية، ـ وبالتالي التكاسلية ـ وهو متنافي والمنطق القرآني في تكامل الإنسان ـ، وبالتالي فأن لهذا الذم أهدافه ومقاصده التي يمكن إجمالها بما يلي:
ـ أراد القرآن الكريم، تعريف الإنسان بحقيقته، وكشفها أمامه، وتعريفه بسوءاته ونقاط ضعفه، سيما النفسية والأخلاقية حيال ما سيتعرض له طيلة حياته وبكافة مراحلها الزمنية والنفسية والاجتماعية، وبالتالي مطالبته بتبديلها والتعامل بشكل أكثر أخلاقية حيالها، بغض النظر عن الحدث والمتغير فيه، ما يعني أن القرآن الكريم قد عمد لتذكير الإنسان بهذه الصفات، وتحذيره منها؛ لأنه مُعّرض للوقوع فيها في كل ابتلاء يبتلى به على اعتبار أنه مكلف، وبالتالي فأنه مسؤول حيال ما يُكلف به.
ـ أن ما بينه القرآن الكريم من مذمومات في الإنسان، إنما هي الواقع، حصلت وتحصل، طالما كان هو متهاونا حيالها، فبالوقت الذي يكون فيها الإنسان ضعيفا ـ وهو الغالب حيال كوارث الطبيعة مثلا أو المعتركات الحياتية الكبرى ـ فأنه عندها يكون مصداقا لقوله تعالى: (.... وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا))، كما أنه ميال للظلم حياله أخيه الإنسان، تعنصرا لنفسه، وهو كفرا بالنعم، مع اعتداده بنفسه على النحو الذي يقترب به من الكفر، وبهذا فهو مصداقا لقوله تعالى: (( ... إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ))، وذات الأمر ينطبق عليه في كونه عجولا وقتورا ومجادلا كمصداق للآيات القرآنية الواردة في هذا الشأن، وبالتالي فأن هذا الذم إنما هو وصف وتقرير لحال الإنسان وليس تثبيطا لعزائمه حيال التكامل.
ـ إن الإنسان ميال للتكاسل والتهاون فيما يُكلف به، على عكس الملائكة مثلا ممن جُبل على تنفيذ الواجبات العبادية من تسبيح ونحوه، وبالتالي فهو الإنسان ـ بحاجة الى تدارك نفسه واصلاحها ما استطاع، وعليه إن ذم القرآن الكريم له جاء بقصد إخباره بضرورة إصلاح نفسه ومعالجة هواه، خصوصا وإن ذلك مما يستطيعه إن أراد وقصد الإصلاح.
ـ وأخيرا؛ فإن القرآن الكريم إنما بيّن هذه الصفات السلبية في الإنسان، إنذاره له منها، خصوصا وأنه ـ القرآن ـ نذيرا وبشيرا، وأن الإنسان، مطالب ـ حسب تكليفه ـ بأن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية حيال وجوده في هذه الحياة، لأنها دار ابتلاء، وبالتالي فإن تبيان هذه المساوئ إنما هو بقصد الإصلاح الإنسان، وليس تكريسا لها في نفسه، أي أنه ذكرها له وذكّره بها إمعانا منه في فسلفة تغييره وهدايته سبل الرشاد من خلال تخليصه من هذه الصفات الرذيلة، لأنها ضمن قدرته وطاقته، وبالتالي فهي من باب التنبه والذكير، لا تضعيفه وتعويده عليها. 




جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م