13 ربيع الاول 1443 هـ   20 تشرين الأول 2021 مـ 7:00 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | مقالات  |  قراءة أولية في دلالات الثورة الحسينية
2021-08-18   1153

قراءة أولية في دلالات الثورة الحسينية

ما زالت الثورة الحسينية، المناسبة الأفضل لاستنطاق القيم العظمى وتحري دقة ما نؤمن به من مبادئ وقيم، كلما مس الخطأ والزلل مناحي حياتنا، فكلما كان هذه الثورة نبراسا لنا، دل ذلك على إننا أتباع للحق وطلاب الحقيقة.
نعم.. استلهام المبادئ من ثورة الحسين عليه الصلاة والسلام مقياس صريح عن مدى انتهاجنا للمنهج القويم، خصوصا وأن عدم تكافؤ طرفيها عسكريا، أنما هو مدعاة لنا للبحث عن أسبابها ونتائجها؛ كون عدم التكافؤ العسكري هذا إنما يدل على أن وراء اصرار الطرف الاقل تعبئة عسكرية ـ معسكر الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام ـ ثمة مبادئ لا تلين ولا تنكل، بل وأن قبول حتمية استشهاد جميع افراد المعسكر الاقل ـ الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام وصحبه ـ أنما يشي بأن المبادئ الحقة تسترخص الدماء مهما كانت مقدسة وعظيمة، وهو ما فعله عليه الصلاة والسلام بقول إراقة دمه الشريف حفاظا على مبادئ دين جده صلوات الله تعالى عليه وآله. 
أستشهد الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام، ورجع جيش العدو حيث الشام، يحمل معه الرؤوس على أسنة الرماح، معلنا عن انتصار عسكري ساحق، وان كان قد خسر كل ما له صلة بالإنسانية والدين من مبادئ وقيم. 
ولكم ثمة دلالات وراء هذه الحرب غير المتكافئة، دلالات فيها إجابات لمن شكك في قبول الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام لخيار الحرب على الرغم من قلة ناصره وانعدام مقومات الربح العسكري فيها، ومن هذه الدلالات:
ـ ضرورة شرعية الحاكم المسلم ومشروعيته:
يشتغل الإسلام على بناء القيادات الحقة التي يمكن لها أن توصل المجتمع المسلم الى بر الأمان، ولا يكون ذلك الا أن بحاكم شرعي، والشرعية هنا لا تلك القائمة على اختيار الأغلبية، إنما الشرعية التي تتحصل من السيماء، أو ما يسمى بالجعل الإلهي، ولا يكون ذلك الا من خلال النبوة والإمامة، وعليه فالإسلام يمنهج لمنهجية خاصة في قبول الحاكم، فالحاكم على المسلمين والمدير لأمورهم لا بد أن يكون منهم ومن قماشتهم، مسلما بالقول والفعل فضلا عن سماته الأخلاقية من ورع وتقوى وباقي الخصال الأخلاقية، لأنّ الإسلام ليس دين الرعية فقط، بل دينهم ودين من يحكمهم ايضا، وشرعية ما يتخذ الحاكم المسلم من قرارات لا بد أن تاخذ شرعيتها من شرعية حكمه لهم، وبذلك فأن تسيد من لا يكون مسلما حقيقا؛ على المسلمين إنما هو خروج صريح عن ضابطة الحكم الإسلامي الرشيد، وهو خرق كارثي لمقام الحاكمية ومبدأ الإستخلاف الموعود، وهو ما يستدي التقويم ولو بالتضحية بالنفس كل ما هو غال وعزيز؛ بغية إصلاحه.
وعلى هذا وذاك، فأن وجود يزيد ـ وهو الفاسق الفاجر والقاتل للنفس المحترمة ـ على رأس الهرم السلطوي في البلاد الإسلامية يمثل خروجا صريحا عن حاكمية الله فيما خلق، خصوصا وأنه عليه لعائن الله؛ بات يؤسس لعبودية الحاكم قبالة العبودية لله الواحد الأحد، فالناس على دين ملوكهم، وهو ما دفع الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام للتصريح بحقيقة يزيد عليه اللعنة؛ بقوله: "إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذا ابتُلِيَتْ الأمة براعٍ مثل يزيد"، بعد أن أوضح عليه الصلاة والسلام تصرفات يزيد المنحرفة التي استوجبت الثورة عليه من خلال قوله عليه الصلاة والسلام في وصف يزيد اللعين: ".... وقد علمتم ـ  أيّها المسلمون ـ أنّ هؤلاء القوم (يقصد يزيد وأتباعه) قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وإنّي أحقُّ بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله".

ـ إعمال سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كانت التحديات:
أن ما دفع الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام للقيام بثورته الشريفة هذه، أنما هو إصلاح ما افسده الحاكم اللا شرعي في الإسلام، فشعار الإصلاح هو ما رفعه الإمام الحسين وأعلن عنه صراحة قبل انطلاقه من المدنية المنورة صوب العراق، وقد تجسد ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: "ألا وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر؛ فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين"، وبلك فأن الدرس البليغ الذي أراد الإمام الحسين ايصاله لنا ولكل الأجيال، أنى كانت وتكون، هو أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يمكن أن تُسقط او يتراخى في وجوبها فضلا عن تطبيقها بأيّ حالٍ من الأحوال، بل أنها تكون أهم واولى كلما استبد الحاكم في حكمه وتفرعن في سلطته، وهنا فأنها ـ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ ستبرز على أنها الحل الأنجع للإصلاح، وإن كان الثمن دماء زاكيات، خصوصا اذا كان الأمر متعلقا بالولاية على المسلمين لأن في ذلك حساسية اشد واقوى؛ بالنظر لما يمتلكه الحاكم على من هم تحت حكومته من سلطة وتحكم بالمقدرات، فضلا عن المناهج والمواقف التي يمكن لها أن تتدخل في البناء القيمي للمجتمع المسلم، فالسلطة المنحرفة يمكن أن تحرف مجتمعا كاملا وتوجه بوصلة تفكير افراده صوب القضايا الثانوية او السطحية بل وحتى اللا شرعية قبالة تعويم المهم منها والمقدس، وهو ما فعله يزيد اللعين بالضبط يوم حرف الناس عن دينهم ولوثهن بلوثة الفجور والحرام، فالنتيجة الطبيعية لفعل الحاكم للمنكرات والمحارم والموبقات، هي مجتمع منهك وبعيد عن ربه مشتغلا بالملذات ومتعلق بالدنيا وحطامها الزائل وهو عين ما أتصف به المجتمع الشامي في حينها، وهذا ما دفع الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام لينبري أمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر في ارشاد الناس وهديهم للحق وكشف الحقيقة للمغرر بهم بما تريده السلطة الأموية الغاشمة.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م