16 محرم 1441 هـ   16 أيلول 2019 مـ 4:59 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  عندما يُزعزع الإسلام، أسس العنصرية وبنيانها
2018-02-14   1104

عندما يُزعزع الإسلام، أسس العنصرية وبنيانها

تُبنى الديانات السماوية على مبادئ ومرتكزات أساسية؛ تُشكل بمجملها عقيدة هذا الدين أو ذاك، وهي بمثابة الأسس التي يعلو عليها باقي بنائه العقدي، وعلى ضوء ذلك يكون الشروع بالحركة نحو تحقيق الأهداف المرسومة لعقيدة ذلك الدين، والعدل واحدا من هذه المرتكزات وهو عقيدة عظيمة شكلت ثابتا قامت عليه كل الديانات السماوية السابقة ومن ضمنها الإسلام، وأصل انبثاق هذه العقيدة من القطب المحرك لها وهو الرب العادل الحكيم بأفعاله؛ والذي يشكل العدل واحدا من أهم أسمائه الحسنى ومن فاعليته قيام الكون به.
وكون عقيدة العدل من أصول الدين الإسلامي الخاتم، لذلك شكلت سمة وعلامة شامخة له، تنظيرا وفعلا، وبما أن الإنسان هو الغاية والوسيلة عنده ـ الدين الإسلامي ـ لذلك تفّرد في وضوح هذه العقيدة من خلال بيانها بنصوص واضحات في محكم كتابه العزيز؛ لذلك كان هضمها وتقبلها سريعا عند كل من تلقاها منه، أو خاض في غمار مباني الإسلام عنها.
وتأسيسا على كل ما تقدم، وكون الإنسان هو الوسيلة والغاية في الإسلام؛ خصوصا وأنه الدين الخاتم ولكل البشرية؛ استوجب ان يشمل العدل الإلهي فيه كل المخلوقات العاقلة بلا تمييز ولا تفريق بينها؛ وقد أظهرت ذلك؛ آيات من كتابه الحكيم ـ بجلاء ووضوح لا يحتمل شبهة ولا تشكيك ـ خصوصا وأن خلق الله للإنسان بلا تفريق ولا تمييز فيه بين عرق وآخر؛ وبمادة صنع أصلها من سنخية واحدة، وهي سلالة من طين ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ)) (المؤمنون-12) وأن هذا الإنسان مكرم بالإطلاق، في خلقه؛ لا ممايزة بينهم عند خالقهم ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) (التين-4) وأن كل ما في الكون مسخر لخدمة هذا الكائن العاقل دون فرق في اجناسه أو الوانه؛ وأن النظر بالتساوي لهم من خالقهم هي سنة من سنن عدله، وهذا التساوي في الخالقية ذو وجهة مجردة تختص بأصل الخلقة ومادة الخلق، ولا علاقة لها بمقاييس التفضيل الإلهي بين العباد بالعلم والتقوى بعد الخلق، ولم تقف نظرة التساوي وسنة العدل هذه؛ بحدود الخلق وعالم الدنيا (عالم الابتلاء)؛ بل تعدت إلى عالم الآخرة ويوم الحساب؛ إذ لا ينظر الله في ذلك اليوم لأي مايز خَلقي فيه أو لحسب أو نسب ودليله كتابه الكريم إذ تقول آياته ((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)) (المؤمنون-101).
ولما كانت شريعة الغاب هي السائدة في العلاقات البشرية منذ بدء الخليقة، بل وهي الحاكمة بقوانينها الهمجية عليهم؛ حيث سياسة الغزو والاحتلال هي التي أفرزت سياسة التمييز والتفريق فيما بينهم على أساس العرق مرة، حيث الجنس الفلاني المُحتَل ينظر باستعلاء واستكبار إلى جنس غيره ممن وقع عليه الاحتلال ليستعبده، وربما كان التمييز والتفريق بينهم على أساس اللون، فجنس اللون الأبيض يستعبدون أمثالهم من جنس اللون الأسود؛ ويستخدمونهم كخدم وفي أسوأ الظروف المعيشية لا لشيء إلا لفارق اللون بينهمـ بحيث تهان كرامتهم الإنسانية ويتسافلوا بها للحضيض.
ولم يتوان الإسلام في محاربة مثل هذه الظواهر القديمة ـ النائمة في بطون التأريخ؛ والتي استمرت إلى عهود قريبة ـ منذ بدايات عهده، لتنافيها والمبادئ التي جاء بها، كذلك ولتعامل المجتمع العربي الذي نزلت عليه الرسالة بهذه القوانين الجائرة وهو القريب من القارة الأفريقية التي هي موطن العبيد السود، حيث تأثره بهذا النمط الاجتماعي الذي كان سائدا آنذاك، حيث يباع ويشترى فيه العبيد رجالا ونساء وكأي بضاعة مشتراة، وزيادة على ذلك كانت لهم أسواق خاصة يعرضون فيها للبيع، وقد أثار القرآن الكريم ظاهرة بيع البشر في قصة يوسف تأكيدا لهذا النمط من العيش الذي كان سائدا قديما، شارحا كيفية القي يوسف عليه السلام في الجب، وكيفية بيع لعزيز مصر بدراهم معدودة ((وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)) (يوسف -19-20).
ولم تكن النساء في مأمن من هكذا بيع وشراء، بل كانت لهن الحصة الأكبر منه؛ وفي كل العصور! بسبب سيادة نظام الغزو آنذاك بين الحضارات المتصارعة؛ كلا حسب عصره الذي عاش فيه، وكان للجزيرة العربية نصيبا منه، حيث الحروب والغزوات بين القبائل العربية قبل الإسلام، وكان من آثار هذه السيادة؛ نظام السبي الذي مورس ضد النساء، والذي يحق فيه للسيد عليهن شرائهن وبيعهن والتزويج منهن متى شاء، شأنهن شأن أي بضاعة مادية.

موقف القرآن من التمييز العنصري
إن التمييز العنصري بين بني البشر على أساس اللون أو العرق مما تأباه الفطرة السليمة والعقل المسؤول، وبما أن الإسلام هو دين الفطرة والعقل السليمين؛ كما بينته آيات الكتاب المجيد وهو خير دليل على ذلك حيث يقول ((أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّـهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) (الروم-30)  لذلك كان الرفض منه طبيعيا وانسيابيا وتوافقيا مع مرتكزاته الأساسية التي بنيت عليها عقائده في العدل، ولم يأتي هذا الرفض متأخرا بل كان منذ أول عهده، حيث أكد في نصوص قرآنية عدة أن التشابه والتماثل في أصل الخلقة هو المانع لي حواجز بين البشر ((خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)) (الرحمن-14).
وفيما بعد ذلك، فأن الإسلام يؤسس للتفاضل والتمايز بين الناس بعد الخلقة بالعلم والتقوى في دار أعدت أصلا للابتلاء ((الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)) (الملك -2) وقد أقام الله فيها كل حجج الهداية على الإنسان لكي لا تكون يوم الحساب حجة منهم عليه ((قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)) (الأنعام-149)، وليس هنالك مجالا للتمايز على أساس لون أو عرق، إذ الكل عباده وهو خالقهم ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات -13) كما يبرهن القرآن الكريم على أن الاختلاف في الألوان والألسن هو علامة من علامات وجود الخالق الحكيم وهو من فطرة خلقه للأشياء، وهذا يدلل على أن الاختلاف أمر تكويني في الخلقة لا ميزة لأحد فيه على الآخر ((وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)) (الروم -22) ، فكيف يحق لبشر ـ أيا كان هذا البشر ـ القفز على سنن الله في خلقه؛ ليشرع تشريعات عنصرية مؤذية لأقرانه ومن نفس جنسه؛ ما أنزل الله بها من سلطان.
والملاحظ أن كل مقاييس التفضيل الإلهي بين البشر تتجاوز مسألة ابتداء الخلقة، ولا تنظر لأي فارق بينهم؛ حيث الموازين فيه تعتمد على الإيمان والعمل الصالح؛ وهذه إشارة قرآنية أخرى تبرهن على ذلك ((إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)) (البينة -7). 
كما إن الميزان في القرب المعنوي من الله؛ هو الإيمان بوحدانيته وبما جاء من عنده من تشريعات على يد الرسول الكريم صلى الله عليه واله، يتجسد ذلك الإيمان بالعمل الصالح المقترن به والمجسد له، وهذا ما يؤكد على إنسانية الإسلام إذ ليس في دستوره النظر لعرق أو جنس يقارن فيه بين جنس وآخر بقصد التفوق والاستعباد، وهذا التوجه ليس قانون حياة فقط؛ بل يمتد بوعد للناس ـ ووعده الحق ـ أن يوم الحساب لا أنساب فيه بينهم تصنع الفوارق، فالكل أمامه سواسية في جنسهم ((فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ)) (المؤمنون-101).

النبي صلى الله عليه واله ومحاربته التمييز العنصري
عالمية الرسالة الإسلامية لا تسمح بالتمييز العنصري بين الناس على أساس العرق أو اللون، إذ أن بعث النبي الأكرم محمد صلى الله عليه واله مبشرا ونذيرا، كان للعالمين كافة؛ ولم يكن لطائفة أو عرق أو لون؛ حتى يتم التفريق أو التمايز بينهم على أساسه ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) (سبأ-28).
كما أن سماوية هذه الرسالة تعصمها من الزلات والسقطات في شراك الهوى، إذ لم تكن اجتهادا شخصيا من الرسول الكريم صلى الله عليه واله حتى يظهر فيها بعض ما يعتورها بتأثير التحيز أو الميل لجنس أو لون ما ـ وحاشا رسول الله من ذلك ـ بل كانت مسددة من العلي القدير بالنص القرآني المقدس النازل عليه، وقد أوكلت له فيها مهمة بيان مقاصد الآيات النازلة للناس ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (النحل-44) والناس هنا صيغة جمع لم تستثني أحدا في البيان حتى يتم التفريق بينهم.
وبما أن الرسول الأعظم محمدا صلى الله عليه واله كان خلقه القرآن، حيث نعته الله بالخلق العظيم لرفعة منزلته ((وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)) (القلم-4)، راح صلوات الله عليه وآله يجسد هذا الخلق بسلوكه وتعاملاته الحسنة مع الناس بلا تفريق ولا تمييز بينهم، وقد مارس هذه السياسة بين المسلمين ومع غير المسلمين منذ بدء دعوته بسلوك عملي، حيث انضم لدعوته الأسود والأبيض، وآمن به ناس من مختلف الأعراق والأجناس كبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي وكانوا بصحبتهم له من المقربين عنده، حيث قال في سلمان الفارسي (المحمدي) قولته الشهيرة (سلمان منا أهل البيت) والمقصود من أهل البيت هو بيت النبوة الطاهر، في وقت تجاوز فيه صلة القرابة ـ بداعي الكفر بالله ـ مع عمه أبو لهب.
 ولا ننسى أن النبي صلى الله عليه واله جعل زيد بن حارثة الأسود البشرة، قائدا لجيشه في معركة مؤتة؛ وكان ابن عمه جعفر بن أبي طالب في هذا الجيش تحت إمرة زيد، وهذان دليلان من كثير، تؤكد بشكل عملي على أن الإسلام ونبيه صلوات الله عليه وآله، لم ينظرا لجنس ولا لون ولا لقرابة في التفاضل بين المسلمين، بل ينظران لتقوى الإنسان كمعيار للتمايز والتفاضل بينهم.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م