19 ربيع الاول 1441 هـ   17 تشرين الثاني 2019 مـ 5:23 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2018-03-24   11950

التكامل الروحي في الصنوية بين محمد النبي وعلي الوصي

"ولَقَدْ عَلِمَ اَلْمُسْتَحْفِظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اَللَّهِ وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي اَلْمَوَاطِنِ اَلَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا اَلْأَبْطَالُ وَتَتَأَخَّرُ فِيهَا اَلْأَقْدَامُ نَجْدَةً أَكْرَمَنِيَ اَللَّهُ بِهَا وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ وإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي ولَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ واَلْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِي فَضَجَّتِ اَلدَّارُ واَلْأَفْنِيَةُ مَلاٌ يَهْبِطُ ومَلاٌ يَعْرُجُ ومَا فَارَقَتْ سَمْعِي هَيْنَمَةٌ مِنْهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَيْنَاهُ فِي ضَرِيحِهِ فَمَنْ ذَا أَحَقُّ بِهِ مِنِّي حَيّاً ومَيِّتاً فَانْفُذُوا عَلَى بَصَائِرِكُمْ ولْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي لَعَلَى جَادَّةِ اَلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَعَلَى مَزَلَّةِ اَلْبَاطِلِ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وأَسْتَغْفِرُ اَللَّهَ لِي ولَكُمْ"

لم يكن منبع ومصدر النبوة والإمامة هو عنصر الاشتراك الوحيد بينهما، وإنما نجد العلاقة الروحية بين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام؛ العامل الأبرز في ذلك الاشتراك؛ إذ تعدى الإطار الشكلي بشكل ينتمي الى الوصف القرآني الذي صور تلك العلاقة بعلاقة النفس بالنفس في قوله تعالى :((فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ))(آل عمران ـ 61).  
وهذه العلاقة هي علاقة تكاملية بلا ريب، وهذا ما نفهمه من الطرح القرآني السالف، فهي دليل على التزاوج والتناغم الروحي والفكري كمقدمة للتكامل بين النبوة والإمامة، ولعل ما ذكره الإمام علي عليه السلام فيه تقريب بديع لهذا الفهم، فقد وصف طبيعة العلاقة مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: "وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو، والذراع من العضد"، والصنوان النخلتان لاجتماعهما على أصل واحد، وهذا التقريب يفصح عن العلاقة الصنوية التكاملية المبنية على جملة أمور، يمكن إجمالها بما يأتي:
الصورة الأولى:
وحدة الأصل، ومن ثم وحدة المنهج مع الاختلاف المرحلي، وحسب التطور التكاملي بين النبوة والإمامة، بل أن التشبيه بمقام الذراع من العضد هو إشارة الى عدم الانفكاك بين الرسول صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام، أي بعبارة أخرى، بين النبوة والإمامة، والحال ينطبق على التشبيه بالنخلتين في الأصل الواحد.

الصورة الثانية:
أن العلاقة التي قصدها الإمام علي عليه السلام؛ لم تكن مقتصرة على الإمامة المكملة للنبوة بمعناها المستقل فقط؛ وإنما الى الدور الذي يلعبه الإمام عليه السلام في مساندة النبي والنبوة؛ فالتكامل هنا يبدأ ببداية المقدمات النبوية في عملها الرسالي، وهذا ما يفسر لنا صيغة كلام الإمام علي عليه السلام حينما قال: "وأنا من رسول الله..."، أي مقامه الفعلي بوجود الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ وبعد توليه الإمامة أيضا".

الصورة الثالثة:
إنها خطاب يعكس طبيعة الحاجة الملحة لتثقيف الناس بالبديهيات وهي التي تخص طبيعة العلاقة بين الرسول صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام، ونوعها مما يدل على الهجمة الشرسة على منهج الحق المتمثل بالعترة الطاهرة عليهم السلام. 

وينتقل الإمام علي عليه السلام الى صورة أخرى من صور الصنوية والتزاوج الروحي مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهي صورة القرب المادي والمعنوي في آخر لحظات الحياة؛ والتي تحتوي على فكرة تخرج عن نطاق القرابة والصحبة وتدخل في نطاق آخر؛ يجسد التكاملية التي نحن بصددها؛ فهذا القرب في تلك اللحظة هو شرط ووظيفة وليس مراسيم، ومن هنا نجد كلام الإمام علي عليه السلام دقيق؛ وفيه معان عدة؛ إذ قال: "ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله؛ وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي".
ويمكن إجمال هذه المعاني بالنقاط الاتية:
أولا: الإشارة الى القرب المادي الذي يستدعي المواجهة والرعاية المباشرة سواء في الوصايا أو غيرها، وبذلك فأن التقارب المادي هو من أهم مقدمات التقارب المعنوي الذي نقصده.
ثانيا: إن العبارات التي استعملها الإمام علي عليه السلام توحي وتشير الى التكاملية بين البنوة والإمامة كما أسلفنا؛ فلا يوجد تفسير معنوي آخر لقوله عليه السلام:" ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي" إلا الإشارة الى المواصلة والتكامل الروحي واستمرارية العمل الرسالي، وهذه الاستمرارية تنبع أساسا من نفس الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى مع الأئمة عليهم السلام.
ثالثا: يبدو إن قول الإمام علي عليه السلام "ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري"، فيه إشارة وإلماحة الى الادعاء المقابل القائل بإن الأمر جرى مع عائشة زوج الرسول صلوات الله عليه وآله وسلم، لا سيما وإن المسألة كما اسلفنا؛ تخرج عن صورة توديع الميت أو اللقاء الأخير معه؛ وتدخل في حسابات الصنوية بين النبي والإمام صلوات الله عليهما؛ وإلا لكان وجود الزهراء عليها السلام بدل الإمام عليه السلام أولى، وهي أم ابيها غير إن الزهراء عليها السلام تدرك معنى ومفهوم وضرورة ذلك اللقاء وإيحاءاته الفكرية على وجه العموم، وبما يضمن استمرارية الرسالة السماوية.

المرحلة الأخرى في إثبات هذه الصنوية واختصاص الإمام علي عليه السلام بها مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، هي مرحلة التغسيل والتجهيز وخصوصية التعامل مع الملائكة، وهي نتيجة وأثر من آثار ذلك التكامل الروحي، ومقدمة لاستلام مهام الرسالة السماوية بمنصب الإمامة، فقد قال عليه السلام: "ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية؛ ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هنيمة منهم، يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا؟ فأنفذوا علي بصائركم، ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم، فوالذي لا إله الا هو إني لعلى جادة الحق وإنهم لعلى مزلة الباطل، أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم".
وقد يرى البعض إن تغسيل الإمام علي عليه لسلام للرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ يأتي من باب القرب المادي والقرابة القريبة، وهو أمر معتاد عند أهل الميت على وجه العموم، وإلا إن ذلك يجانب الحقيقة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أمرين:
الأمر الأول: إن هذ القاعدة الاجتماعية لا تسير على المعصوم، وإنما فقط على سائر الناس الآخرين، فالمعصوم لا يغسله ويصلي عليه إلا معصوم مثله، بل أن هذا التغسيل وتلك الصلاة هما الإثبات العملي للإمامة اللاحقة وعصمة المغسل المصلي. 
الأمر الثاني:إن الإمام علي عليه السلام نفسه لم يذكر أمر التغسيل إلا بهدف إلقاء الحجة على الآخرين بأحقيته بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبإمامته لأن إدراك معنى هذا الفعل يكفي لإدراك تلك الوراثة المعنوية، لذا ورد في قوله عليه السلام: "فمن ذا أحق به مني حيا وميتا؟"، أي أن التغسيل علامة على تلك الحقية.
أن طرح الإمام علي عليه السلام يصور هذا الجو الملائكي الذي لا يعيه أو يراه إلا الإمام علي عليه السلام نفسه، وكأنه عملية تنصيب رسمية وإعلان رسمي عن بدء مهمة الأئمة عليهم السلام؛ لا سيما وإن الملائكة كانوا يعاونون الإمام عليه السلام بتغسيل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهو قوله: "ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة اعواني"، بل وكانوا يجددون العهد مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومع ولي المؤمنين بعده، ولعل مفردات كلام الإمام علي عليه السلام فيها إيحاءات دالة على التكامل الروحي مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويمكن إدراجها بما يأتي:
أن المعني بالأمر هو بيت النبوة، وهو بيت يشع بالعلم والأنوار، وهذا هو المقصد من ذكر الإمام علي عليه السلام لهبوط وعروج الملائكة، فهي رسالة الى المتطفلين على هذا المقام الشريف.
أراد الإمام عليه السلام الإشارة الى خصوصيته بالقرب من الرسول ووراثته المعنوية، وهو ما يفسر لنا قوله عليه السلام عن حضور الملائكة "وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه حتى اريناه في ضريحه" وهو أمر ليس لغيره من المدعين.
أراد الإمام عليه السلام تشخيص جبهة الحق من جبهة الباطل على وجه العموم إذ إن معرفة شخوص وصفات كل جبهة يقود لمعرفة أصحاب الحق من عدمه، وهذا ما نلمسه بشكل واضح في خاتمة حديثه عليه السلام مع الناس أي النتيجة التي أراد أن يثبتها لهم بطرحه عن تغسيل الرسول صلى الله عليه وآله ومشاهدة الملائكة إذ قال: "فوالدي لا إله إلا هو، إني لعلى جادة الحق وإنهم لعلى مزلة الباطل، أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم"، وهذا القسم هنا هو لإلقاء الحجة عليهم أمام الله تعالى. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م