19 ربيع الاول 1441 هـ   17 تشرين الثاني 2019 مـ 5:20 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2018-05-19   6930

الصلاة وقيم المساواة

يقول الكاتب هراس ليف في المجلة الإسلامية الإنجليزية: "ما كان شيء في العالم ليقنعني بأن أي دين من الأديان يدعو الى المساواة بين الناس، ولو أن بعضها يتظاهر بهذه الدعوة، فقد زرت كثيرا من الكنائس والمعابد، رأيت التفريق بين داخل المعابد كما هو خارجها، وكان اعتقادي بالطبع أن الأمر لا بد كذلك داخل المساجد الإسلامية، ولكن ما كان أشد دهشتي حينما رأيت الشعور بالمساواة على أتمه بين المسلمين في عيد الفطر في مسجد ووكنج بلندن ، هنالك وجدت أجناسا مختلطين على اختلافهم في المراتب اختلاطا لك أن تسميه أخويا، ولم أكن شاهدت مثل ذلك، ترى في المسجد فقيرا يصافح عظيما من رجال الأعمال المصريين أو سياسيا من بلاد العرب، وقد ارتفعت الكلفة بين الجميع فلا يأنف أحدهم مهما عظم قدره من أن يجاوره في الصلاة أقل الناس شأنا، وإنك لا تجد اقل محاولة لتخطي الصفوف الى مكان ممتاز في المسجد، لأنه ليس هنالك أي مكان ممتاز فالكل عند الله سواء، لا فضل لأحد على سواه".
ولكن الصلاة لا تمثل مظهرا من مظاهر المساواة فقط، بل إنها تمثل بشكل مباشر؛ الدعوة الى المساواة؛ لأنها تربي الإنسان المصلي والمجتمع المصلي على مشاعر المساواة واحاسيس المساواة، وليس من المساواة التي تدعو إليها الصلاة أن يقف الغني بجانب الفقير مكرها، أو يقف الحاكم بجانب المحكوم مرغما، أو يقف القوي بجانب الضعيف مستاءً، ولكن المساواة إيمان داخلي عميق في نسف الغني والفقير، والحاكم والمحكوم، والقوي والضعيف... فلا الغني يشعر بالاستعلاء والكبر، ولا الفقير يشعر بالذل والضعة، ولا الحاكم يشعر بالسيادة، ولا المحكوم يشعر بالعبودية، ولا القوي يشعر بالغلبة، ولا الضعيف يشعر بالقهر والهوان... ولكن الجميع يشعرون شعورا موحدا بالانسجام والرضى والتفاهم والأخوة التي تلفّهم بغطاء الرحمة وتشملهم بمظلة الطاعة عندما تتلاقى قلوبهم وتتصل صفوفهم في رعاة الصلاة. 
وبذلك استطاع الإسلام الحركي أن يقضي على ظاهرة الصراع الطبقي وما يفّجره في قلب المجتمع من فتن واحقاد وثورات.. فكان حرصه أن يمتص الحقد والفتنة من غليان الصراع الطبقي ليغرس مكانه ـ ذلك بين فئات المجتمع على اختلافها ـ المودة والرحمة والانسجام... وكان سعيه أن يذيب التناقضات المشتعلة في الصراع الطبقي ثم يوزع الأدوار من جديد على أساس من التوازن السليم، فتؤدي كل فئة واجبها وتأخذ كل فئة حقها في صورة يشعر معها الكبير والصغير بأنهما يسيران معا على طريق الإنتاج والعمل من أجل تحقيق أهداف الإسلام الكبرى في الحياة. 
فلا ظلم ولا غبن ولا إجحاف ولا جور، فلكل عمل قيمته وقدسيته ما دام يحقق للإسلام أملا من آماله التي تعود بالنفع والخير على جميع الناس.. فلا يشعر العامل أمام رب العمل بالنقص ولا يشعر الخادم أمام سيده بالخمول ولا يشعر الفقير أمام الغني بالحرمان.. بل قد يشعر هؤلاء بالفضل على أولئك لأن أساس التمايز في الإسلام هو التقوى ودرجة الاقتراب من الله سبحانه وتعالى ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات ـ13).
وفي تأريخنا الإسلامي الزاهر، نماذج رائعة تصور بعض مشاهد المساواة في ظل الإسلام.
يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" إن الله تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من أدم وادم من تراب وكرمهم عند الله اتقاهم".
يحدثنا التأريخ أن الإمام الرضا عليه السلام قد دعى يوما بمائدة فجمع علها مواليه من السوادان وغيرهم فقال له أحد أصحابه: "جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة"، فقال عليه السلام: "مه، إن الرب تبارك وتعالى واحد والأم واحدة والأب واحد، والجزاء بالأعمال".
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال:" لما ولي علي عليه السلام المنبر فحمد الله وأثنى عليه، قم قال:" أني لا أرزئكم من فيئكم درهما ما قام لي عنق بيثرب، فلتصدقكم أنفسكم، أفتروني مانعا نفسي ومعطيكم؟، قال فقال إليه أخوه عقيل، فقال له:" الله! لتجعلني واسود بالمدينة سواء!؟ فقال عليه السلام: اجلس، ما كان هنا أحد يتكلم غيرك، وما فضلك عليه إلا بسابقة أو تقوى".
ويحدثنا التاريخ أيضا، أن سوادة بن قيس قال للنبي صلى الله عليه وآله أيام مرضه: " يا رسول الله، إنك لما اقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يقتص منه، فقال له أكشف لي عن بطنك يا رسول الله فقال: أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من الناء يوم النار، فقال صلى الله عليه وآله: يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو يا رسول الله. فقال اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد".
ولا نكاد نتصور مبلغ القدرة الإسلامية في فرض مبدأ المساواة بين جميع القبائل المتنازعة والطبقات المتنافرة إلا إذا تعرفنا على صورة الجاهلين الذين صنع الإسلام منهم أمة في منتهى الرقي والتقدم والحضارة فلم تكن المساواة معروفة ما قبل نور الإسلام، سواء عند أناس شبه الجزيرة العربية أو عند شعوب كسرى وقيصر، فكان التمايز الطبقي وتفاوت الأحساب والأنساب وتغاير الألوان عندهم من أبرز المظاهر والصفات السائدة التي تقاس عليها كرامة الإنسان وشخصيته في الحياة، حتى بزغ فجر القرآن وقرر وحدة البشرية من نفس واحدة ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))(النساء ـ 1)
وعلى ضوء هذه الحقيقة بدأ الإسلام في أوسع عملية تغيير شهدها التأريخ، فصاغ من الظلم عدلا ومن العداوة حبا ومن الصراع الطبقي سلاما وتوازنا، ونشر مبادئ المساواة الخالدة في جميع الحقول، وبين جميع الطبقات، مساواة في الواجب ومساواة في الحق ومساواة في الجزاء ومساواة في الإنسانية لا فرق في ذلك بين المرأة والرجل، وبين السيد والعبد، فالكل في نظر الإسلام سواسية كأسنان المشط، والكل من آدم وآدم من تراب، ولعل هاذ الموقف الجريء الحاسم من الرسالة الفتية جعل السادة الأغنياء وأصحاب المصالح يقفون منها موقف العداء الشديد والكراهية الشديدة التي بلغت من البشاعة والقسوة واللؤم، ما لا تغلبه العداوات.
وفي الآية الكريمة إشارة حضارية قيمة تكشف لنا أن مبدأ المساواة في الإسلام قد تجاوز حواجز الطائفية وفروقات الأديان، فكانت قاعدة المساواة عنده إنسانية قبل أن تكون إسلامية، فاين أنظمة القرن المعاصر وقوانين العصر الحديث من إنسانية التشريع الإسلامي ورحمة الإسلام؟
من هنا ومن خلال هذا الواقع الفاسد المتردي نشعر بحاجتنا الملحة الى الصلاة، لعلنا نكتشف ضياعنا وتمزقنا وبعدنا عن روح الإسلام، فنداوي جراحنا ونلملم أشلاءنا ونعود الى رشدنا وصوابنا وهدانا، ونستعيد تراثنا ونضارة وجوهنا فهذه القنعة الملونة المزيفة قد أعمت عيوننا عن رؤية الحق والخير والجمال.
لا بد لنا أن نعود الى الصلاة، ليولد الإنسان فينا في ظل المحبة والتعاون والمساواة.. غير أن الصلاة لن تشيع في مجتمعنا مشاعر المساواة ما دام لا يصلي منا إلا الفقراء والعمال والمساكين. 
فإذا أردنا لصلاة الإسلام ان يحقق في الوطن رسالة المساواة لا بد أن يجتمع الجميع كباقة من الزهور المنوعة في محراب الأيمان والصلاة، فيلتقون في بيت الله أغنياء وفقراء، مدراء وموظفين، رؤساء وعمال، مثقفين وخدم، حينئذ فقط ينتشر في أجوائنا العطر والطيب ليملأ دنيانا بطهر الأخوة ورحمة المساواة، فـ "ليس هناك أية هيئة سوى الإسلام يمكن أن تنجح مثله نجاحا باهرا في تأليف هذه الأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة، وإذا وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع الدرس، فلا بد من الالتجاء إلى الإسلام لحسم النزاع".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م