15 ذو الحجة 1440 هـ   17 آب 2019 مـ 12:21 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2019-05-30   104

كلام الله ووحيه وإلهامه

تتوسل المخلوقات بوسيلة ما للتواصل بين افراد جنسها، بل وغيره من الأجناس، ومنها الإنسان بطبيعة الحال، حيث يتواصل مع اقرانه من خلال مخرجات فمه الصوتية مشفوعة بمدخلاته السمعية ليشكلانا بذلك جهاز ارسال واستقبال، آليته الصوت، بعملية فيزيائية بين اللسان والحبال الصوتية وحجرات خاصة بالأذينين. 
وقد يوظف في سبيل تسهيل هذا التواصل منظومة من التراتبيات الصوتية (الكلمات) لتشكل ـ من خلال كثرة الاستخدام ـ نسج بديهي بينهم، يسمى اللغة، وتختلف هذه اللغة من قوم الى أخر. 
وبخلاف الصوت ـ ومن خلاله الكلام بأي لغة كان ـ سيكون التواصل بين بني البشر بالغ الصعوبة، وسيعتمد على الحركات والإيماءات، وما قد تشكله من تداخل وصعوبة فضلا عن المحدودية، في وقت يحتاج فيها لهذه الحركات والإيماءات لتسند كلامه من خلال لغة الجسد ليصلا به الى تشكيل التصور الكامل الذي يريد أن يوصله للأخرين، ما يجعل من الكلام الوسيلة الأفضل والأنجع في التواصل البشري، لما يتمتع به من تشابه بفيزيائية التواصل بينهم، وربما باقي المخلوقات على اختلاف آلية التكلم بينهم.  
والمتتبع منا للقرآن الكريم، يجد بأن لله جل شأنه كلام يتوجه به لصفوة خلقه من بني البشر، خصوصا الأنبياء منهم والأوصياء والصالحين.
ولما كان جل شأنه بغير الهيئة البشرية بل والمخلوقية بصورة أعم، بدلالة عدم جسمانيته، صار الفضول لدينا بخصوص كلامه الشريف، وهل هو صوت فيزيائي أم حالة روحية بحتة، خصوصا وأنهما ـ الله جل شأنه والإنسان ـ مختلفين من حيث الماهية، بمحدودية الأخير وصغره وماديته وحسيته، ومطلقية الأول سبحانه وتعالى بالشكل الذي لا يمكن تصوره.
ولما كان الإنسان محتاج لهذا المطلق جل شأنه، وغنى الأخير سبحانه وتعالى عن هذا الإنسان ـ بل وكل ما خلق ـ فإن عدالته ستوصل أوامره ونواهيه لهذا الإنسان من خلال آلية ما، اصطلح عليها القرآن الكريم بـ (كلام الله)، بل وصارت المفاضلة على أساس آليه هذا (الكلام)، ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ))(البقرة ـ253)، ((وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا))(النساء ـ 164).
وقد بيّن القرآن الكريم، بل وحصر آلية هذا الكلام من خلال ثلاث طرق لا رابع لها، وهي الإيحاء (من الوحي) أو المخاطبة من وراء حجب، أو ارسال ملكه عنه (رسول)، وهي ما تضمنه الآية الشريفة ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)) (الشورى ـ51)، وهي ما سنفصله فيما يلي من سطور.


ـ الوحي بإلهام او عبر الرؤية في المنام:
وتسمى أيضا بـ إلقاء الروع، وهو ما حدث للنبي إبراهيم عليه السلام بخصوص رؤيته بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام ((فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا ترى ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ))(الصفات ـ 102)، وما رآه نبي الله يوسف عليه السلام بخصوص مستقبل نبوته ((إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ))(يوسف ـ4).


ـ الخطاب من وراء الحجاب:
كما حدث مع نبي الله موسى عليه وعلى نبيا افضل الصلاة واتم التسليم ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا(51) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(52)(مريم ـ51 ـ52)، ((فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ))(القصص ـ30)، ((وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))(الشعراء ـ10).


ـ أرسال الملك الأمين جبرائيل عليه السلام:
إذ يبعث الله سبحانه وتعالى وحيا منه حاملا لبريده لخلقه، وغالبا ما يكون هذا الوحي من خلال الملك جبرائيل عليه السلام.

من كل ذلك، نستنتج ان الوحي السماوي يتسم بواحدة من صورتين اثنتين، هما الصورة المباشرة، سواء ما كان منه عبر ارسال الملك او من خلال المخاطبة من وراء حجاب، وهو اصعب حالات الوحي لأن النبي فيها يكون مع ربه بلا واسطة، فعن الحرث بن هشام عندما سأل النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله كيفية نزول الوحي عليه، قال سلام الله عليه وآله :" أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس, وهو أشدّ علي، فيفصم عنّي، وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثّل المَلَكُ رجلاً، فيكلّمني, فأعي ما يقول"، كنوع من التجلي الإلهي حسب وصف الإمام الصادق عليه السلام بخصوص نزول الوحي على جده وبالتحديد الغشية التي تمره اثناء ذلك: "ذلك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد؛ ذلك إذا تجلى الله له". 
أما الطريقة غير المباشرة فتكون من خلال ألقاء الروع حقيقة او من خلال الرؤية في المنام، بمعنى تلقيه الوحي بواسطة توصله بالله جل وعلا. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م