22 محرم 1441 هـ   22 أيلول 2019 مـ 11:15 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2019-07-06   164

أوّاه حليم... الحلم زينة

الحديث عن المنظومة الأخلاقية في الإسلام، كبير وواسع بسعة سماحته وقصده من صناعة إنسان متكامل يحق له أن يستخلف الأخر ويعمرها حق عمارتها. 
وحديثنا عن الحلم، لا ينفك عن الحديث عن سمات العفو والسماحة ودماثة الأخلاق، لتلازمهما في موارد كثيرة. 
والحلم، سمة أخلاقية، تخلق بها الخالق على خلقه، العاصي منهم والتائب، ((لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ))(البقرة ـ225)، ((إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا))(فاطر ـ41).
ومن ثم تخلق بها انبياء الله أجمعين، لأنها راس مداراة الناس كلازمة لتحمل مسؤولية الرسالة السماوية والتكليف الرباني، ومنهم بالطبع أول أنبياء الشرعة الحنفية النبي إبراهيم عليهم السلام، ففي الوصف القرآني أنه ((إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ))(هود ـ75).
وأصل الحلم هو الصبر على سيئات الأخرين ودفعها بالتي هي أحسن ((وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)) (فصلت ـ43)، خصوصا وان هذا الدفع، سيكون مدعاة لقبول الأخر، بل ولمراجعة نفسه، ومن ثم صيرورته أخا في الدين والإنسانية. 
والحلم من مكارم الأخلاق الإسلامية، بل وأثمنها وأعزها وأرشفها وأكثرها اثرا في جلب مودة الناس والفتهم ومحبتهم، خصوصا أذا ما اقترنت بكظم الغيظ، ((وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا))(الفرقان ـ63)، ((وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134))(آل عمران ـ133 ـ134).
وعرّف علماء الأخلاق، الحلمَ على أنه حالة سامية من ضبط النفس عبد الغضب والهيجان والثورة، بل ويشدد أخرون على أن هذا الضبط للنفس لا بد أن يكون مقرونا بالثبات والوقار عند أي سبب محرك لمشاعر الغضب.
وقد عرفه أخرون على أنه حبس للنفس بما لا يخضعها لسلطان الهوى، من خلال اجبارها على سلطة العقل، مطمئنة لأمره دائما وابدا. 
وبالتالي فأن إخضاع النفس وقوتها الغضبية لحكومة العقل، هو أهم ما يميز الحليم عن غيره، بل ولا بد ان يقترن هذا الضبط بالتحكم الإيجابي بكافة انفعالات النفس، سواء ما كان منها عند الغضب او عند الفرح والسرور، حتى أن سيد الخلق ومن أرسل ليتمم مكارمها، النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله قال في وسم الحليم: " عليكم بالعفو، فان العفو لا يزيد العبد إلا عزا، فتعافوا يعزكم الله"، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إذا بعث الله عز وجل الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش ثلاثة أصوات يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض".‏
كما وصف حليم أهل البيت الإمام الحسن عليها السلام الحلم بأنه الزينة التي يتزين بها الإنسان، وذلك بقوله عليه السلام: "اعلموا أن الحلم زينة".
كما أكد الإمام محمد الباقر عليه السلام ذلك قوله: "من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة".‏
وفي المأثور من أخلاق تلامذة أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام، ما يروى عن أن مالك الأشتر رحمه الله كان ماراً في سوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة من خام، فرآه شخص يغلب عليه الطيش فاحتقره! لثيابه العادية هذه، ورماه ببندقة طين فلم يلتفت إليه الأشتر ومضى!
فقيل له: هل تعرف من رميت؟‏
قال: لا.. 
قيل: هذا مالك الأشتر صاحب أمير المؤمنين عليه السلام.
وقد كان حديث مالك بين الناس على كل شفة ولسان.‏
فارتعد الرجل، وتبع الأشتر ليعتذر إليه، فوجده قد دخل مسجداً، وهو قائم يصلي.‏
فلما فرغ من صلاته وقع الرجل على قدميه يقبلهما قائلا للأشتر: أعتذر إليك مما صنعت.‏
قال الأشتر: والله ما دخلت المسجد إلا لأستغفر لك.

و أس الحلم هو الصفح عن السيئة، كما مر ذكره، وهو ما حدا بأئمة أهل البيت النبوي الكريم عليهم السلام يتلمذون شيعتهم ومحبيهم على ذلك، فعن الإمام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام قال: سمعته يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم ينادي مناد: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من الناس (أي جماعة من الناس والرؤساء) فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلما، قال: فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنة.‏

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م