8 ربيع الثاني 1441 هـ   6 كانون الأول 2019 مـ 5:51 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2019-11-26   352

صلة الرحم في الإسلام وأثرها في تحقيق الأمن الاجتماعي

يولي الإسلام أهمية خاصة للعلاقات الاجتماعية، ويشجع على كل ما من شأنه أن يصب في تماسك المجتمع، ويرسخ أواصر المحبة بين أبنائه، بما يحقق الأمن والاستقرار الاجتماعيين، ويزيل عناصر التوتر والتنازع.
وتشكل دعوته التواصلية هذه نسيجا فريدا ومتميزا، يتعانق فيعا الجانب الأخلاقي مع الجانب القانوني، وهو في سبيل الوصول الى الغاية المذكور، يتّبع مختلف الأساليب الوجدانية والبيانية والبرهانية بغية الوصول إليها.
ومن مظاهر الفرادة في النظام الاجتماعي الإسلامي أنه ـ مضافا الى ما تقدم ـ يرتكز على عدة دوائر إنسانية متنوعة، ويعمل على إيجاد وشائج الربط فيما بينها، لتنفتح الدائرة الصغيرة منها على الكبيرة، دون أن تتلاشى الصغيرة وتذوب في بحر الكبيرة، أو تتحول الصغيرة سجنا مغلقا في وجه الكبيرة.
وتأتي دائرة الأرحام على راس الدوائر الصغرى التي أولاها الإسلام عناية خاصة، ونسج أطرافها بخيوط المحبة، وشاد بنيانها على أسس التآزر والتراحم، ووضع لها ضوابطا تنظمها وترعاها بجملة من الحقوق والواجبات التي تنظم علاقات الأرحام بعضهم بالبعض الأخر، لنكون في نهاية المطاف أمام صورة نقية للعلاقات الإنسانية ينفتح فيها الإنسان على أخيه الإنسان، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، لأن البشرية برمتها تتشكل من شبكة كبيرة من الأقارب والأرحام، خرجت كلها من رم واحدة وهي رحم حواء، ويجمعها أب واحد هو آدم عليه السلام.
وانطلاقا من هذا، فإننا نعتقد أن انتظام علاقات الأرحام يمهد لانتظام العلقات الإنسانية برمتها، كما أن تفكك العلاقات إنسانية والاجتماعية يؤثر على ضعف الروابط الرحمية والأسرية. 
من جهة أخرى، فإن قطيعة الإنسان لأرحامه تؤشر على ضعف العواطف الإنسانية لديه، ونقص في عنصري المحبة والرحمة عنده، والشخص الذي لا ترجى رحمته لأقاربه وارحامه، لا ترجى منه للآخرين، قال الإمام علي عليه السلام: "من ذا الذي يرجو فضلك إذا قطعت ذوي رحمك"، ومن الطبيعي أن هكذا إنسان ليس محلا لأن تشمله الرحمة الإلهية، لأن من لا يرحم، لا يرحمه الله تعالى، وعليه تصبح الحكمة في تحريم قطيعة الأرحام والتوعد عليها بالنار واضحة وجلية، ولا يغدو التساؤل عن مدى ملائمة هذا الحكم الإسلامي ـ وتقصد به إلزام الإنسان بعدم قطعية رحمه ـ مع مبدأ الحرية الشخصية وجيها، لإن الإنسان ليس حرا في ان يفرغ الحياة من القيم المعنوية والعواطف الإنسانية، كما أنه ليس حرا أن يخلق العداوة ويزرع الأحقاد بين بني البشر، وإن قطعية الأرحام تسهم في ذلك بشكل كبير، لأن المجتمع الذي لا يتواصل أهله وأبناؤه، لا يعيش أحدهم همّ الآخر، ولا يشعر بآلامه أو يفرح لأفراحه، هو مجتمع متفكك ومتصدع، وفاقد لمعنى إنسانيته، وبناء على هذا، يصبح الربط الوارد في الروايات الآتية بين قطيعة الأرحام، وبين تدمير الديار وتعجيل الفناء، وزوال النعم، واصحا أو مفهوما على الأقل، وليس بالضرورة أن ننحى في تفسيره منحى غيبيا، فأن المجتمع الفارغ من التراحم والتلاحم، مجتمع مهدد وفق السنن الاجتماعية بالانهيار والسقوط والتنازع والتقاتل، مع ما يستتبع ذلك من قتل النفوس وزوال النعم.
ولنتصور حال أم أو اب ـ مثلا ـ عملا على تربية ولدهما الوحيد وسهرا على راحته الليالي، وبذلا لأجله الغالي والنفيس من صحتهما وراحتهما ومالهما، فلما شبّ وقسا عوده، ترك والديه وقاعهما كليا، ولم يعد يتكرم عليهما بوصل او تواصل، عندئذ فأن تعرضهما الى أي عارض قد يتك بهما بداعي عدم وجود من يؤازرهما ويشد من عضدهما، وبالتالي فأن موتهما بهذه الطريقة، لم يكن بعيدا ولا مستغربا. 
وبعد هذا، نأتي إلى استعراض جملة من النصوص والروايات التي تتحدث عن آثار قطيعة الرحم.
بداية، فإن القرآن الكريم قد اكد على صلة الرحم في عدة آيات منه، حي قال عز من قال: ((وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ))(الرعد ـ 21(، كما قال ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا))(النساء ـ1).
من جهة أخرى، فقط ذم سبحانه قطيعة الرحم بقوله ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ))(محمد ـ22ـ23)
في الحديث عن النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم".
وعد أبي حمزة الثمالي قال: "قال امير المؤمنين علي عليه السلام: "أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء، قيل: وما هي؟ قال: قطيعة الرحم""، كما قال عليه السلام: "بقطيعة الرحم تستجلب النقم"، وفي أخرى قال عليه السلام: "قطيعة الرحم من أقبح الشيم"، كما قال: "ليس مع قطيعة الرحم نماء".
وعن أبي عبد الله عليه السلام: "أتقوا الحالقة، فإنها تميت الرجال، قلت وما الحالقة؟ قال: قطعية الرحم".
ومن الآثار المدمرة لقطيعة الرحم، تطال الإنسان ولو كان مؤمنا، كما أن الاثار الطيبة لصلة الرحم تنال كل من وصل ارحامه، ولو كان فاجرا، وذلك لأن القوانين الاجتماعية شاملة وعامة، ولا تفرق بين مؤمن وملحد، ومن هنا ورد في الحديث عن ابي جعفر عليه السلام: "في كتاب علي: ثلاثة لا يموت صاحبهن حتى يرى وبالهن، البغي وقطيعة الرحم واليمين الكاذبة يبارز الله بها، وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم، وإن القوم ليكونوا فحارا فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون، وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها، وتنقل الرحم، وإن نقل الرحم انقطاع النسل".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م