8 ربيع الثاني 1441 هـ   6 كانون الأول 2019 مـ 6:57 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2019-11-30   424

حسن التخلق ببر الوالدين

أولى الإسلام عناية خاصة للأسرة، بغية المحافظة عليها، وذلك من خلال تحديده للحقوق المترتِّبة على أفرادها تجاه بعضهم البعض، صيانتها لها بصفتها اللبنة الأساسية في بناء المجتمع الذي ينشده الإسلام.
ولما كان الوالدان هما حجري الأساس في بناء الأسرة وتنشئة الجيل، نجد القرآن الكريم صرح بعِظَم مكانتهما، ووجوب الإحسان إليهما، ومن ذلك قول عز من قال: ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا))(الإسراء ـ23)، وقوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) البقرة ـ83)، وبذلك نجد إن القرآن الكريم يعتبر الإحسان للوالدين قضية جوهرية، بحيث يبرزها ـ تارة ـ في عالم الاعتبار بصيغة القضاء، كقوله ((وَقَضَى رَبُّكَ((، وبجسدها ـ في تارة أخرى ـ في عالم الامتثال بصيغة الميثاق كقوله ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ )).
كما اعتبر القرآن الكريم التعدي على حرمة الوالدين جرما كبيرا، وهو ما تؤكده الكثير من الآيات الكريمات، في حث الأولاد بضرورة الإحسان إلى الآباء، في وقت نجده يؤكد على اهتمامهم بأبنائهم يشكل أقل، وفي حالات غير عادية، كأن لا يقتلوا أولادهم خشية الإملاق، مع اعتبار الأولاد زينة ومتعة وموضع فتنة وإغراء للوالدين، ولم يذكرهم إلا مقرونين بالمال، وفي موضع التفاخر.
وبنظرة أعمق جعل الإحسان إلى الوالدين المظهر الاجتماعي للعبادة الحقة، وكل تفكيك بين العبادة ومظهرها الاجتماعي، بالإساءة إلى الوالدين على وجه الخصوص، ولو بكلمة (أُفٍّ)، يعني إفسادا للعبادة كما تفسد قطرة الخل العسل.
وقد منح القرآن الأم حقاً أكبر، وذلك لما تقدمه من تضحيات أكثر، فالأم هي التي يقع عليها وحدها عبئ الحمل والوضع والإرضاع، وما يرافقهما من تضحيات وآلام، حيث يبقى الطفل في بطنها مدة تسعة أشهر على الأغلب في مرحلة الحمل، يتغذّى في بطنها من غذائها، ويقرّ مطمئناً على حساب راحتها وصحتها، ثم تأتي مرحلة الوضع الذي لا يعرف مقدار الألم فيه إلا الأُم، حيث تكون حياتها ـ أحياناً ـ مهدَّدة بالخطر، وهو ما جعل القرآن الكريم يوصي بها على وجه الخصوص((وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ))(لقان ـ13).
وبذلك يؤجج القرآن وجدان الأبناء حتى لا ينسوا أو يتناسوا جهد الآباء، وخاصة الأم وما قاسته من عناء، ويصبوا كل اهتمامهم على الزوجات والذرية.
نبويا، احتلَّت مسألة الحقوق عموماً وحقوق الوالدين على وجه الخصوص مساحة كبيرة من أحاديث ووصايا النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، فقد ربط النبي صلى الله عليه وآله بين رضا الله تعالى ورضا الوالدين، حتى يعطي للمسألة بُعدَها العبادي، وأكَّد بأن عقوق الوالدين هي من أكبر الكبائر، وربَط بين حب الله ومغفرته وبين حب الوالدين وطاعتهما، فعن الإمام زين العابدين عليه السلام قال إنَّ رَجُلاً جاءَ إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: "يا رسول الله، ما مِن عَملٍ قبيح إلا قدْ عملتُه، فهل لي من توبة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "فهَلْ مِن وَالِدَيكَ أحَدٌ حَي؟ قال: أبي، فقال صلى الله عليه وآله: " فاذْهَبْ فَبِرَّه، فلما ولَّى قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لَوْ كَانَتْ أمُّه".
وقد جسد عليه الصلاة والسلام هذه التوصيات على مسرح الحياة، ففي الوقت الذي كان يحثُّ المسلمين على الهجرة ليشكِّل منهم نواة المجتمع التوحيدي الجديد في المدينة، وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون قلائل بالآحاد، تروي كتب السيرة أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: "جئتُ أبايعك على الهجرة، وتركتُ أبوي يبكيان، فقال النبي صلى الله عليه وآله: "اِرجعْ إلَيهِمَا فَأضحِكْهُمَا كَمَا أبْكَيْتَهُمَا ".
أما من جهة اهل بيت النبوة، فقد أعطى الأئمة الأطهار لتوجهات القرآن الكريم وأقوال النبي وأفعاله الفكرية والتربوية روحاً جديدة وتطبيقا عمليا، فنجد ان الإمام جعفر الصادق عليه السلام قد حدد مفهوم الإحسان الوارد بقوله تعالى ((وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا))، بقوله: "الإحسان، أن تُحسِن صُحْبَتَهُما، وأن لا تكلِّفهما أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه، وإن كانا مُسْتَغْنِيَيْن".
كما بين عليه السلام قوله تعالى ((ِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا)) بقوله: "إنْ أضْجَرَاكَ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ، ولا تَنْهرهُمَا إِنْ ضَرَبَاكَ".
كما أراد الأئمة عليهم السلام أن تبقى منظومة الأخلاق في الأمة حيَّة فعالة، انطلاقاً من حِرْصهم الدائم على سلامة المجتمع الإسلامي، حتى لا يتردَّى أفراده في مهاوي القلق والضياع، وعليه فقد حثّوا على التمسك بالقِيَم الأخلاقية في تعامل الأولاد مع والديهم، بحيث تتحول إلى طبع يطبع سلوك الأبناء، وفي هذا الصدَد يقول الإمام علي عليه السلام: "بِرُّ الوَالِدَينِ مِنْ أكْرَمِ الطِّبَاعِ "، ويقول حفيده الإمام الهادي عليه السلام: "العقُوق ثكْلُ مَنْ لَم يُثكَل".
ولم يبق آل البيت عليهم السلام مسألة حقوق الوالدين في إطار التوجهات القرآنية أو مجرَّد استثارة الدوافع الأخلاقية، بل حدَّدوا الحكم الشرعي لهذه المسألة الحيوية، واعتبر الإمام علي عليه السلام بِرّ الوالدين أكبر فريضة، كما اعتبر الإمام الباقر عليه السلام ان لا رخصة في التعامل الحسن مع الوالدي، حيث قال عليه السلام: " ثَلاث لَمْ يَجْعَل الله عَزَّ وَجَلَّ لأحدٍ فيهِنَّ رُخصة: أدَاء الأمَانة إلى البرِّ والفَاجِر، والوفَاءِ بالعَهْد للبرِّ والفَاجِر، وبِرّ الوَالِدَين بِريْنَ كَانَا أو فَاجِرَين".
والجدير بالذكر أن الإسلام لم يربط حقوق الوالدين بقضية الدين، وضرورة كونهما مسلمين، بل أوجب رِعاية حُقوقهم بمعزَلٍ عن ذلك، فيقول الإمام الرضا عليه السلام: "بِرّ الوالِدَين وَاجِبٌ وإن كَانَا مُشرِكَين ، ولا طَاعَة لهما في معصية الخالق "، بل لم يكتَفِ عليه السلام بِتبْيَان الحُكم الشرعي في ذلك، بل كَشَف عن الحكمة من وراء هذا التحريم بقوله: "حَرَّم الله عُقوق الوَالِدين لمَا فِيه مِنَ الخُروجِ مِن التَّوفِيقِ لِطَاعَةِ الله عَزَّ وجَلَّ، والتوقيرِ للوَالِدَينِ، وتَجَنُّب كُفر النِّعمَة، وإبْطَال الشُّكْرِ، ومَا يَدعُو مِن ذلكَ إلى قِلَّة النَّسل وانقِطَاعِه، لِمَا فِي العقُوقِ من قِلَّة توقير الوالدين، والعرفان بحقهما، وقطع الأرحام، والزُّهد من الوالدين في الولد، وتَرك التربية بِعِلَّة ترك الولد برهُمَا".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م