8 ربيع الثاني 1441 هـ   6 كانون الأول 2019 مـ 5:50 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2019-12-01   339

التفكر والتدبر... نقطة الشروع في الوصول للحقيقة

تميزت الحقبة الزمنية قبل البعثة النبوية الشريفة بوجود بقايا تحنف، من الحنفية ـ عند العرب، كإرث عقائدي وفكري ورثوه من دين النبي إبراهيم عليه السلام، فكانوا ـ مع ما هم عليه من شرك ظاهر ـ يتمسكون بعقيدة صحيحة، توارثها الأبناء عن الآباء.
وعلى قلة هؤلاء المتمسكين بالتوحيد الحنفي، فإن بعض مظاهر التوحيد باتت تشكل نقلة فكرية نوعية لدا هذه الأقلية، كونها القِلَّة التي ترفض ما كان عليه قومها من الشرك وعبادة الأوثان وأكل الميتة ووأد البنات، ونحو ذلك من العادات التي لم يأذن بها الله، ولم يأت بها شرع حنيف، ومن هؤلاء الأحناف هم ورقة بن نوفل وزيد بن نفيل والنبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله الذي أمتاز عن غيره باعتزاله الناس تعبُّدا، والتفكُّر في غار حِرَاء.
ويذكر التأريخ إن حالة التأمل والتدبر هذه، إنما كانت متلازمة لنبي محمد صلوات اله عليه وآله منذ صغره، خصوصا تأمله فيما كان عليه قومه من العبادات الباطلة والأوهام الزائفة، التي لم تجد سبيلاً إلى نفسه، ولم تلقَ قبولاً في عقله، بعد أن احاطه الله جل شأنه بالرعاية والعناية التي لم يتحصل عليه غيره من البشر، فبقيت فطرته على صفائها، تنفر من كل شيء غير ما فطرت عليه، فراح معتزلا قوه وما يعبدون من دون الله، بعد أن حبَّب الله إليه عبادته بعيداً عن أعين قومه، فكان صلى الله عليه وآله يأخذ طعامه وشرابه ويذهب إلى غار حِرَاء ـ حِراء هو غار صغير يقع في جبل النور على بعد ميلين من مكة ـ فكان صلى الله عليه وآله يقيم فيه الأيام والليالي ذوات العدد، ويقضي صلى الله عليه وآله وقته في عبادة ربه، والتفكَّر فيما حوله من مشاهد الكون، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك الباطلة، والتصورات الواهية.
وكان اختياره لهذه العزلة والانقطاع عن الناس بعض الوقت، من الأسباب التي هيَّأها الله تعالى له، لِيعدَّه لما ينتظره من الأمر العظيم، والمهمّة الكبيرة التي سيقوم بها، وهي إبلاغ رسالة الله تعالى للناس أجمعين، حيث اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون أول ما نَزَّل عليه الوحي في هذا الغار حيث موضع تدبره، لتبدأ عملية إعداده السماوي لأمر الرسالة الخاتمة، وهو رسالة ذات حمل ثقيل، وعظيم تنوء الجبال بحمله، كونها ذات مباني تغييرية شاملة، وهو شاهدها عليهم يوم القيامة، تحقيقاً لقوله تعالى: ((وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ))(النحل ـ89)، وهكذا كانت البداية التي منحت الناس قربا ايمانيا أوضح وأجلى، يصحح به من شاب دينه زيفا، ويكفر به الكافر عن غيه.
وبذلك صارت حالة التدبر والتأمل، السمة الإسلامية الأبرز، تنقية لما يمكن أن يشوب الناس من شوائب عقائدية قد يتوارثونها جيل عن جيل، خصوصا وإن الدين الجديد ـ الإسلام في حينها ـ جاء مراهنا على استنطاق العقل والتفكير بدلا من العمى السائد في حينها.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م