25 جمادي الثاني 1441 هـ   20 شباط 2020 مـ 9:35 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  الحياء... لا أيمان لمن لا حياء له
2019-12-15   1156

الحياء... لا أيمان لمن لا حياء له

استقرت سجية الحياة في مسلك أفراد المجتمع الإسلامي، رجالاً ونساءً، صغارا وكبارا، حتى دخل الحياء مظاهرهم السلوكية، جميعها، كغضّهم البصر وكفّهم اللسان وتخيُّرهم للألفاظ المناسبة والاحتفاظ بالأسرار والأحداث التي يُمكن لو عُرفت أو نُشرت أن تخدش الحياء الاجتماعي المحصّن بجملة من الأحكام الشرعية المقدَّسة، فيجد المتابع للمجتمعات الإسلامية كيف أنَّ الجوَّ العام فيها يخلو من الإعلان عما يُثير القرف والاشمئزاز، من جهة الملبس مثلا للرجال والنساء، وعدم تشبه كلا أفراد الجنسين ببعضهما، أو لبسهما ما يكشف عن سوءاتهما، وعدم تجرُّؤ أحد على قول أو عل ما يُخالف الآداب العامة، وإلاّ كان المجتمع الإسلامي الامر بالمعروف والناهي عن المنكر له بالمرصاد.‏

الحياء صفة أهل الإيمان‏
وقد أسس النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله من خلال سلوكه الشخصي، حتى أنَّه كان صلوات الله عليه وآله أشدَّ حياءً من الفتاة في خدْرها، وكان غاضاً لبصره، ويحمر وجهه في بعض المواطن، أو يلتفت إلى الجهة الأخرى، أو كأنَّه لم يسمع ما قد قيل له صيانة للحياء السائد، ‏وورد عنه قوله عليه السلام: "الحياء خيرٌ كلُّه"، وهذا تأسيس لأن يكون الحياء بكل أشكاله وتفاصيله سمة أهل الإيمان في تعاملهم وطريقة عيشهم ولباسهم وألفاظهم ونظراتهم وأحاديثهم.
ويكفي أن الحياء تشبُّه بالصالحين ممَّن سبق من عباد الله عزَّ وجل، الذين أحبُّوه وأحبَّهم، حيث ورد في الحديث النبي الشريف قوله صلوات الله عليه وآله: "لو كان الحياء رجلاً لكان صالحا".
وقبل ذلك، أسس القرآن الكريم للحياء عمليا، فعندما أراد الله جلَّ جلاله أن يصف أبرز ما عند المرأة المؤمنة قال سبحانه ((فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ .....))(القصص ـ25)، فجعل صفة الحياء العنوان الأساسي للمرأة التي ترعرعت في بيت النبوة.
وقد يظن البعض أنّ‏ الحياء صفة مستقلة لا دخل لها في الصفات الأخرى، كما ظنُّوا اشتباها أنَّ الحياء للمرأة دون الرجل، أو أنَّ المرأة القويَّة الشخصية ليس عندها حياء! 
والحقيقة أنَّ الحياء رأس الصفات الأخلاقية والمكارم النفسانية وكافة العلاقات الإنسانية، بل وحتى السياسية منها، لأنَّه ما كان في شيء قط إلاَّ زانه، كما أنَّ مخالفه، يعني الفحش، ما كان في شيء قط إلاّ شانه.
فخصال المكارم بعضها مُقيَّد ببعض، وهذه قاعدة أخلاقية عامة، تماماً كالصورة الجميلة، جميلة بكل أجزائها وتفاصيلها، ولا تكون كذلك إذا أصاب التشوُّه بعض نواحيها.‏
وقد أكد ذلك الإمام الصادق عليه السلام بالقول: "أن رأس الصفات الأخلاقية الحياء"، فيدخل في صدق الحديث وإعطاء السائل وأداء الأمانة وصلة الرحم والتودُّد إلى الجار والصاحب وإكرام الضيف.‏
واللازم على المسلم أن يحرص على مجانبة العيوب والسقطات أمام الله جلَّ جلاله، وقد أُمر بالتوبة والإنابة، كما أُمر بستر الذنوب لو ابتُلي بها، كذلك عليه أن يكون ـ أمام الناس كذلك ـ حتى لا يقسو قلبه وينحرف مزاجه الفطري، وهو ما بيّنه الحديث النبوي الشريف بالقول: "مَنْ لم يستح من النَّاس، لم يستح من الله سبحانه"، لأن ذلك سيكون أردع له عند الطغيان والتجبُّر، وتعويداً له على نهج طريق الحقِّ، وتطويعاً لنفسه الأمّارة وهذه لفتة تربوية هامة على قاعدة، "إن لم تبك فتباك"، وهذا يُعظِّم الإيمان في القلوب.
كما ورد عن رسول الله صلوات الله عليه وآله قوله: "استح من الله استحياءك من صالحي جيرانك، فإنَّ فيها زيادة اليقين".
من جهة أخرى، فالإيمان والحياء مقرونان بعضهما ببعض، حيث لا يُتصوَّر تاركُ الحياء مؤمناً وهو وقحٌ غارقٌ في الحرام والشُّبهات، متنكب عن طريق أهل الإيمان، ولا يُتصور المؤمن إلاّ حيِيّاً، "فالله يُحبُّ الحييَّ المتعفِّف، ويُبغض البذيء السائل الملحف"، والنصوص في ذلك مستفيضة إلى درجة أن ذكرها بحاجة إلى كلام مستقل، ونكتفي بما قاله النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله: " الحياء عشرة أجزاء، فتسعة في النساء وواحد في الرجال"، وقول الإمام علي عليه السلام: "كثرة حياء الرجل دليل على إيمانه"، وقول الإمام الصادق عليه السلام بالقول: "لا إيمان لِمَنْ لا حياء له"، وقول الإمام الباقر عليه السلام: "الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه".
‏وعلى هذا وذاك، فأن الحياء مطلوب دوماً ومن الجميع وبدون استثناء، إلاّ أنَّه يكون أكثر تأكيداً على النساء، على وجه الخصوص، وعند العيب والشيب، ومَنْ كان له شأنٌ بين الناس، وعند الشيء الذي يُذكِّر بالموت، كما لزاما على المرء ان يستحي من نفسه، ومن باب أولى من الناس وقبلهم نبيه وربه.

اقسام الحياء
يتجنب الإنسان ـ بدافع التكيف مع بيئته والحفاظ على سمعته ـ الامور المستقبحة حتى لا يعيبه الناس، كما انه قد يتجنب المعايب خجلا من ربه وخالقه وهناك من يتركها حياء وخجلا من نفسه وهي الدرجة العليا، من هنا يمكننا أن نقسم الحياء الى ثلاثة اقسام:
1. الحياء من الناس، كذلك الفقير الذي لا يملك قوت يومه لكنه يظهر في أفضل هيئة ممكنة حتى لا يبدي للناس ضعفه وفقره.
2. الحياء من الله تعالى: ومظهره هو حينما يختلي الانسان بنفسه، وحيث لا يراه أحد يخشى تأنيبه أو توبيخه، مع ذلك تجده يترك القبيح خجلا من خالقه الذي يطلع عليه، ويعلم ما توسوس به نفسه، وهو أقرب اليه من حبل الوريد، وفي بعض الاحيان يتركه ايضا امام الناس ولكن ليس خوفا من نقدهم وانما طاعة لخالقه، هذا النوع هو درجة من الحياء أرقى من سابقه، فاذا كان من الجميل ان يستحي الانسان من الناس فمن باب اولى وأجمل ان يستحي من خالقه عز وجل.
3. الحياء من النفس: ومظهره هو يجاهد المرء الخطيئة بعقله وضميره، وألا يقوم بعمل يستقبحه العقل، ولا يرتضيه الضمير، وان يلتزم بالقيم حتى لو لم يكن هناك داع اجتماعي للالتزام بها، فهو لا يتركها لان الناس ينتقدونه او يمدحونه، بل انها قد تتجاوز مسألة الرضا والسخط الالهي، فلا تبقى في حدود الحلال والحرام بل لأن بعده الانساني لا يرتضي ذلك ويتسامى عليه، ومصداق ذلك من يراعي حقوق الاخرين، البعيد منهم والقريب، من يستحق ومن لا يستحق، حياء من نفسه لا منهم. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م