2 صفر 1442 هـ   20 أيلول 2020 مـ 8:11 صباحاً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  المجتمع المدني في الإسلام... الريادة والتناص
2020-01-14   700

المجتمع المدني في الإسلام... الريادة والتناص

المجتمع المدني... مصطلح اجتماعي، وإن شأت فقل سياسي، أخذ نصيبه الكبير من الجدالات الفكرية والثقافية عند النخب والصفوة المجتمعية؛ فضلا عن عوام الناس، وتراكم الحديث عنه بشكل مطرد ومتسارع مع الزمن، وتوالت الأحداث على أساسه بمتواليات هندسية، هزت المجتمعات المحافظة، بعد أن غيرت أنظمة الحكم وقلبت النظم الاجتماعية والأخلاقية، حتى صار ـ الحديث عن المجتمع المدني ـ تأريخا فاصلا بين ما هو تقليدي وما هو حداثوي! بل وصار تأريخا مفصليا يؤرخ لما قبله وما بعده، وهو بذلك يشكل حالة انقلاب فكري وثقافي! وحديثنا بالطبع عن المجتمعات المسلمة، وإلا فالمجتمعات غير المسلمة وعلى وجه التحديد الغربية منها، قد آلفت هذا الاصطلاح وعاشته منذ انقلابها على الكنيسة قبل عشرات العقود.
وما قادنا للحديث عن مفهوم المجتمع المدني، هو إشكالية أَسِرِهِ وعدم تحرره من شبكة التوظيف الإيديولوجي، فضلا عن جره للمعترك السياسي والثقافي، وزجه ـ بشكل غير مدروس ـ في أتون الصراعات المجتمعية.
وليس اعتراضنا عن هذا التوظيف، لمجرد التوظيف فقط، إنما الإشكال الحقيقي هو عدم بلورة النظرية الناضجة له؛ وسلخه من خلفياته التأريخية وتجاربه القديمة، واعتباره اصطلاحا جديدا، يحمل مفهوما عصريا، يُحسب للمدارس الفكرية الغربية على حساب الإسلامية منها.
وتبلور نظرية هذا المفهوم، يحتم على من يرى فيه "نقلة نوعية" و "نظرية عصرية"، بأن يبحث عن التجارب التأريخية الخاصة بالمفهوم، خصوصا وإنها اعتمدت التسمية المستلة من المدنية! فضلا عن ضرورة تأسيس البُنية السياسية والاجتماعية الصالحة لهذا المفهوم، وتكييف الظروف الآمنة له بما لا يتقاطع مع مفهوم الحضارة، ولا ينسف مفاهيم الدين والثقافة الخاصة بالتجمعات البشرية، وإلا عُّد تتمة لمفهوم العلمنة الذي يؤسس لإفراغ المجتمعات من خصوصياتها وإذابتها في نظريات مقترحة لم تُجرب بعد، ولم تخضع للديالكتيك الخاص بالقوانين العامة للحركة البشرية وتطورات المجتمع الإنساني.
كما إن دافعا أخرا يدفعنا للبحث في هذا المفهوم، هو إشكالية انسجام هذا المفهوم وتطبيقاته مع جميع المجتمعات، قبل التأسيس له وتهيئة مناخات إعماله، وشاهدنا في ذلك هو العالم العربي الذي ما زال يرى في النظريات الغربية ـ خصوصا ما صدر أبان عصور التنوير الأوربي قبل قرنين تقريبا ـ مرجعا مأمونا، دونما ينظر الى حيثيات الفوارق الاجتماعية والدينية، فضلا عن الأخلاقية بين مجتمعنا العربي والإسلامي، والمجتمع الغربي، خصوصا وإن هكذا نظريات إنما هي وليدة متغيرات اجتماعية وسياسية لا تصلح بالضرورة للمجتمعات الإسلامية ـ وحديثنا عن مفهوم المجتمع المدني المرتبط بفك النظام السياسي والاجتماعي عن جذور المجتمعات وتركيباتها الدينية والثقافية، ولا نقصد أن ننسف كليات المفهوم، خصوصا وإنه مفهوم إسلامي متقدم جدا، بل ومن متبنيات الانطلاقة الأولى للنبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله يوم أسس دولته العصرية في المدينة المنورة ـ التي تمتلك تكوينا عقائديا وثقافيا وحضاريا لا يمكن إخراجه من نسقياته إلا بعد آمادا زمنية طويلة.
والمجتمع المدني، اصطلاح إسلامي قديم، تغافل الغرب عن الاعتراف به، في محاولة منهم لإفراغه عن محتواه وتفصيله حسب التجربة الغربية، ما يعني خطأ تصور عصريته وحصرها بالمدارس الاجتماعية الغربية، واغفال تاريخيته الإسلامية وجذوره الدينية، خصوصا وأنه ولِد في وقت كانت تعاني فيه المجتمعات الغربية أشد فترات وجودها ظلما وظلاما.
والحديث عن مفهوم المجتمع المدني، تأريخا وتطبيقا، لا يكتمل دون أن نطل على التجربة المحمدية على صاحبها وآله أفضل الصلاة واتم التسليم، في المدينة المنورة، ولو على سبيل الإيجاز.
في مراجعة سريعة للمجتمع الإسلامي الأول، وبلحاظ تشكيل النسخة المعدلة منه في المدينة، بعد النسخة التجريبية في مكة المكرمة، نكتشف بشكل جلي؛ عمق الرسالة الإسلامية وبعد نظره قائدها، خصوصا وإن هذه التجربة حدثت في مجتمع كان يتسم بالبداوة والقبلية، ويمتهن الزراعة والرعي، ما يعني بأن من أسس لتطبيقها ـ النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله ـ كان يمتلك من عمق الرؤية وبعد النظر وسداد الرأي ما يكفي لتحويل مجتمع قاس الى مجتمع مدني خصب بالمفاهيم الحياتية والدينية، خصوصا وإن ما يلفت النظر في ذلك، أن اعتماد هذا المفهوم قد تطلب عصفا لغويا كبيرا في البداية على صعيد التسمية والنعوت ومنها تغيير أسم "يثرب" الى "المدينة المنورة"؛ إذ استخدم النبي محمد بن عبد الله عليه وآله الصلاة والسلام مصطلح المدينة ـ الأس اللغوي لمصطلح المجتمع المدني ـ على يثرب التي كانت تعاند الزمن على أسمها كما عاندته على طبائع سكانها، ثقافا وقبلية ودينيا، تلاه ثورة تغييرية كبرى في بنيوية المجتمع اليثربي، على صعيد السلوك والقيم.
ومما لا شك فيه أن انتخاب هذا الإسم ـ المدينة المنورة ـ لم يكن جزافا، إنما هو مرحلة من مراحل التغيير المجتمعي التي ينشدها النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله، وهو مفهوم وثيق الصلة بجوهر الدين الإسلامي، كونه دينا يبحث في الإنسان كقيمة عليا، ويؤسس لبنائه بشكل محكم، يصل به لدوره الأكبر في الاستخلاف ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))(سورة النور ـ 55)، ((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6))(سورة النمل ـ 5 ـ 6).
ولك أن تتصور عظمة الثورة التي أحدثها الإسلام في اليثربيين بعد أن كانوا أعرابا وبدوا، وما يُلازم ذلك من غلظة وخشونة ((الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(98))(سورة التوبة ـ 97 ـ 98)، بعد أن سن لهم نظم اجتماعية متطورة وحياة جديدة تختلف عما آلفوه في سالف أيامهم، خصوصا فيما يتعلق بالمعتقد القائم على الشرك والكفر باتجاه معتقد التوحيد، وما تلا ذلك من تنظيمات عبادية ذات صلة بالمعتقد، فضلا عن ثورته السلوكية والقيمية، كتنظيمه لمفهوم الحمية، وقضاءه على الغلظة بحق المرأة بدء من قضاءه على مفهوم الوأد، ومرورا بمنحها حق الميراث، ثم قضاءه على مفهوم المراباة، والتخلص من أتون الانحيازات القبلية على حساب القيمية، وقائمة التغيير والتنوير، وإن شأت فقل التثوير، في الإسلام، لا تحدها حدود.
كما إن تحويل مجتمع معروف بعمق البداوة فيه وتأصلها وتجذرها فيه، الى مجتمع يتسم بالتمدن والتحضر، يتطلب نظرية "عقد اجتماعي" مقنع يستطيع أن يزحزح الثوابت القديمة في المجتمع محل التغيير، ويستبدله بأخرى وبنفس القوة، خصوصا وإن المجتمع اليثربي كان مجتمعا مركبا ومعقدا الى درجة كبيرة، فضلا عن انحيازه القاسي صوب الحمية والعنصرية القومية على حساب الإنسانية، فكان تطبيق المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين بحكم نظرية عقد اجتماعي إسلامي رائدها النبي محمد صلوات الله عليه وآله، لتعزز ـ من خلال تطبيقاها السريع والمباشر والشفاف ـ مفاهيم الحياة المدنية بين الناس، لتاتي بعد ذلك "وثيقة المدينة" التي عقدها الني محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود وباقي أهل الذمة، ودورها في أرساء أسس الحياة المدنية التي تتقبل الأخر على حساب إنسانيته وتّذوب جميع الفوارق، خصوصا الدينية منها بعد أن تمنح الجميع حقوق المواطنة بعيدا عن العرق والقوم واللون.
  من جهة أخرى، لازم النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله تغييراته المجتمعية سابقة الذكر، بتغييرات عمرانية، حولت يثرب من بيوتات متناثر هنا وهناك، الى شكلية قريبة من شكلية التنظيم المدني والحضري المعروف لدينا اليوم، وذلك من خلال بناءه المسجد الذي أعتبر في حينها بحكم الجامعة العلمية، لما يتبناه من تغيير اجتماعي وثقافي، فضلا عن وظائفه العبادية والتربوية والتعليمية والسياسية، حتى صار المسجد في حينه اشبه ما يكون ببيت للحكومة أو دار لخلافتها. 
لذا، وبعد هذا الاختصار، نجد أن أول من أسس للمجتمع المدني، ونّظر اليه وطبقه، هو النبي الأكرم محمد صلوات الله عليه وآله، وهو ما يعني بطلان نسبة مصطلح ومفهوم "المجتمع المدني" المتعارف عليه اليوم الى المدارس الغربية، مع إن ما أسس له النبي الأكرم في مدينته المنورة أكثر تطورا وآمن تطبيقا مما تُنظّر اليه المدارس العصرية، خصوصا وأنه يستند لخلفيات دينية، في وقت لم يستوعب المجتمع الغربي فيه بعد أمكانية قبول الدين للمفاهيم التي تتجاوز المنتمين له، كما فعله النبي محمد صلوات الله عليه وآله، خصوصا وأن مفهوم المجتمع المدني الذي ينادي به المثقفون اليوم، قد قام على إطلال المدن وهياكلها التي دمرتها الحروب والمعارك، ومنها بطبيعة الحال الحروب الدينية لتي حدثت بين الكنسية والمجتمع الأوربي، وهو ما دفع منظرو هذا المفهوم في الغرب الى استبعاد الدين عن المجتمع، وحصره في بيوت العبادة وحسب، وهو إفراغ صريح للمجتمع من الطروحات السماوية وما تملكه من نظم اجتماعية واخلاقية، في وقت كان بالإمكان معالجة الخلل الذي طرأ على تطبيقات الدين وليس نسفه بإحلال العلمانية محلا له، في وقت طبّق فيه الإسلام مدنيته وتحضره؛ ومن خلفيات دينية لم تتقاطع مع التطور والتنظيم الحياتي؛ سواء ما كان منه اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا أو فكريا، وهو ما يعني عدم وجود تضاد أو تجانب أو تهافت بين الدين من جهة والتحضر والتمدن من جهة ثانية، خصوصا وأن تضادهما يعني تكريسا للصدام المجتمعي بين المتدينين والحداثويين، وهو ما لا يقبله دين سماوي أبدا. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م