18 ذو القعدة 1441 هـ   9 تموز 2020 مـ 11:56 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  حب الدنيا رأس كل خطيئة
2020-01-22   213

حب الدنيا رأس كل خطيئة

ما زالت الدنيا تغر العبد ببهرجها ومظهرها، حتى أنسته الآخرة، وظن أنه خالد فيها، بعد أن علّق فيها كل أماله، وتعلقت بها روحه، وظن أنه لم ولن يخسرها! وهو ما دفع المعصومين من أنبياء وأوصياءه الى ذمها، والتأكيد على عدم الانجرار وراء زخرف عروضها، كونها دار ابتلاء، ((إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا))(سورة الكهف ـ 7)، لا دار دوام وقرار، ما يعني أنها مجرد معبر يتزّود منه بزاد يوصله الى الآخرة، وبالتالي هي من يقرر مصيره وعاقبته.
وذم الدنيا ـ حسب الأحاديث العصموية ـ مورده عدم التعلّق بها لأجل ذاتها، وعدم جعلها هدفاً له، لأن لها مغريات تؤدّي بالعبد إلى الابتعاد عما يريده الله سبحانه وتعالى منه، ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ))(سورة الحديد ـ 20)، في وقت كان يستوجب منه أن يتعامل معها على أنها ممرٌ لعالم آخر، وطريق قصير للآخرة الأبدية، وعليه فهي ـ الدنيا ـ السبيل الذي ادلنا الله به الى الآخرة تحصيلا لمرضاته كما قال النبي الأكرم صلوات الله عليه وآله: "الدّنيا ملعونة وملعون ما فيها إلاّ ما ابتغي به وجه الله عزّ وجل"، مع أن الأصل فيها بلوغ الأخرة، وليس غير ذلك، حيث يقول الإمام السجاد عليه السلام: "الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة"، وهو قريب جدا ما قاله الحكيم لقمان رضوان الله تعالى عليه في مورد نصحته لأبنه، حين قال: "وخذ يا بني من الدّنيا بلاغاً، ولا ترفضها فتكون عيالاً على النّاس، ولا تدخل فيها دخولاً يضرُّ بآخرتك".
ومن مصاديق حب الدنيا، هو استعبادها للعبد، بعد ان تجره بحبائلها وتجعله اسيرها، من خلال اتباعه لهواه وشهواته ورغباته الجسدية ومنها الغريزة الجنسية، والمادية ومنها حب المال، حتى أنه لا يقتنع بكل ما يمكن أن يحصل عليه، إذا ما تعلق قلبه بها، بل أنها تنسيه الموت، وتمنعه عن التّوبة قبله، لظنه في بعد أجله، وبالتالي فهي تنسيه آخرته.
وقد حذر النبي الكريم صلوات الله عليه وآله من ذلك على قومه، حتى قال: "ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتباع الهوى فيصد عن الحق وأمّا طول الأمل فينسي الآخرة"، كما قال عليه وآله الصلاة والسلام: "أكبر الكبائر حبُّ الدّنيا"، وقوله صلى الله عليه وآله: "حبُّ الدنيا أصل كلِّ معصية، وأول كلِّ ذنب"، وهو عين ما قاله بعده، وصيه وخليفته الإمام علي عليه السلام: "حبُّ الدنيا رأس الفتن وأصل المحن"، وما قاله الإمام الصادق عليه السلام: "حب الدّنيا رأس كل خطيئة".
وذم الدنيا، لم يكن لعيب فيها هي، إنما لعيب في طريقة تعاطي الإنسان معها، فالدنيا مكان للامتحان والاختبار وعلى ذلك فهي ليست في مورد الذم، ولا حبّها أيضا، إنّما المذموم فيها هو حبها لذاتها ولذّاتها التي تنسي الإنسان عاقبته بعد أن تصغر بعينيه ربه.
وعليه فأن دواعي تحقير الدنيا في عين العبد لا يعني دعوته لتركها والتّصوّف والتّرهبن فيها، فـلا رهبانية في الإسلام، حيث قال الرسول الأكرم صلوات الله عليه وآله: "لمْ يُرْسِلْنِي اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْبَانِيَّةِ، ولَكِنْ بَعَثَنِي بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ، أَصُومُ وأُصَلِّي وأَلْمِسُ أَهْلِي، فَمَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، وَمِنْ سُنَّتِيَ النِّكَاحُ"، إنما المطلوب من ذمها اقناع العبد بالتزهد فيها وعدم الاغترار بزينتها لأنها زينة زائلة.
وعلى هذا وذاك، المراد من ذم الدنيا أنما هو ذمّ التعلق القلبي بها، لأنه تعلق يوجب أسر له وخضوعه لسلطتها بما تحويه من مغريات تورثه الندامة، بدء تجذير سوء الاخلاق فيه كالحسد والحرص والطمع وحب الأنا والتفاخر، وانتهاء بالعزوف عن الحق ونسيان المآل والكفران بحقيقة الموت، أو الخوف منه، على الرغم من واقعيتها ـ الموت ـ المحتومة، حتى أن رجلاً سال النبي الأكرم محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله قائلا: "ما لي لا أحب الموت؟"، فقال عليه وآله الصلاة والسلام: "ألك مال؟" قال: "نعم"، قال الصلاة والسلام: "فقدمته؟"، قال: "لا"، قال عليه الصلاة والسلام: "فمن ثم لا تحب الموت".
كما يروى أن رجلا سال الإمام الحسن عليه السلام: "ما بالنا نكره الموت ولا نحبّه؟" فأجابه الإمام عليه السلام: "لأنّكم أخربتم آخرتكم، وعمّرتم دنياكم، وأنتم تكرهون النُّقلة من العمران إلى الخراب".

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م