20 ربيع الاول 1443 هـ   27 تشرين الأول 2021 مـ 11:06 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-08-22   678

الغرور والشيطان.. رفقة الخسران الأكبر

لغة، أنحدر الغرور من مصدره الفعلي (غره) و (يغره) فهو مغرور، وكلها منحدرة من مادة (غ رر) والغرر هو النقصان بالشيء، وإن كان الأقوى هو النقصان في الفطنة، كما يراد به الخداع المتأتي كنتيجة لإطماع المغرر به بالباطل.
ومن باب أفتعل، يقال (أغتر) أي خُدع، وأغتر بالشيء؛ خُدع به، ومنه التعبير القرآني ((يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ))(سورة الانفطار ـ 6) أي ما خدعك ايها الإنسان.
أما في الاصطلاح، فالغرور هو سكون النفس الى ما يوافق الهوى، بعد تزيين الخطأ وجعله صوابا؛ أي أنه إخفاء الخطأ في صورة النصيحة؛ وهو ضرب من الخديعة. 
ويراه أهل الدين، بأنه انخداع الانسان بخدعة شيطانية ورأي خاطئ، ((..... وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ))(سورة النساء ـ 120)، كمن ينفق المال المغصوب في وجوه البر والاحسان، معتقداً بنفسه الصلاح، ومؤمّلاً للأجر والثواب، وهو مغرور مخدوع بذلك.
وقد انسحب مفهوم الغرور الآن ـ واللغة هي الأخرى تتحرك وتتغير ـ الى مفهوم جديد يراد به توهم النفس بقدراتها، وبتعبير أدق مبالغة الإنسان في تقدير حجم إمكاناته وقدراته، أو اعتماد على قوة غير حقيقية، إذ يغتر المرء بما يمتلك، فهذا مغرورا بنسبه، وذاك بعدد بنيه، وتلك بجمالها، وهؤلاء بأصلهم، وأولئك بما يملكون، وكلهم في وهم مما يعتقدون.
وللغرور صور وألوان تختلف من شخص لأخر، طبقا للنزعات النفسية والتربوية، فضلا عن بواعث الغرور نفسها، فهذا مغتر بزخارف الدنيا وذاك مغتر بما وصل إليه من علم أو زعامة، وهؤلاء مغترون بما صار لديهن من مال، بل أن بعضهم أغتر بعبادته لله!، وهو أصعب موارد الغرور؛ ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (23) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(24))(سورة آل عمران ـ 23 ـ 24)، وقد يستغرب أحدهم بالقول أن تسلل الغرور من خلال الدين أسهل مما في غيره، وعندها نكون أمام آفة خطيرة جدا خصوصا إذا ما أعتقد المرء بأن يمتلك الحقيقة الدينية المطلقة، عنده سيتوقف عمن البحث والنقاش، شعورا منه بأن صار أفضل وأتم الناس، وهو ما ابتلي بلعم بن باعورا به. 
هذا وثمة من يغتر بعقله متصورا بأنه بلغ القمة، وأن لا أحد يدانيه في مكانته العلمية، فيتوقف عن التقدم، في حين أن القرآن الكريم يكذب دعواه هذه بقوله: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا))(سورة الإسراء ـ 85)، لأنه فوق كل ما علمه وتعلمه ثم من هو أعلم وأكثر علما، ((((فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ))(سورة يوسف ـ 76).
وتكمن كارثية الغرور بالعلم وسعة المعرفة في أنه ـ الغرور بالعلم ـ  يوصل صاحبه الى الزهو والتيه والخيلاء، بل وقد يدفعه للتنافس غير الشريف في هذه الموارد فضلا عن تهالكه على الأطماع وربّما أفرط بعضهم في الزهو والغرور، فَجُنَّ بجنون العظمة والتطاول على الناس بالكبر والازدراء، وفاته بأن العلم ليس غاية في نفسه، وإنّما هو وسيلة لتهذيب الانسان وتكامله، وإسعاده في الحياتين الدنيوية والاخروية، فإذا لم يحقق العلم تلك الغايات السامية، كان جُهداً ضائعاً وعَناءاً مُرهقاً وغروراً خادعاً؛ مصداقا لقوله تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))(سورة الجمعة ـ 5).
ومن الصور الأخرى للغرور هو الإغترار بالدنيا وبهرجها، إذ أن أكثر من يتعلق بذلك ويغتر به هم ضعفاء الايمان، والمخدوعون بمباهج الدنيا ومفاتنها، لأنهم يتسابقون الى دنيا زائلة فانية قبالة خسارتهم للحياة ابدية خالدة ظنا منهم بأن الدنيا نقد، والاخرة نسيئة، وهو يرون بأن النقد خير من النسيئة، ناهيك عن أن لذائذ الأولى ومتعتها يقينية وان شأت فقل ملموسة الآن، في حين أن لذائذ الآخرة مما لم يلمسوه بعد؛ وحسب تصورهم؛ فأن ما ملموس الآن ابقى وادوم مما محتمل ومتوقع غدا، تناسيا منهم لقوله تعالى: ((أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ))(سورة الحديد ـ 20)، وقوله ((إنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عليها أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))(سورة يونس ـ 24)، وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ))(سورة فاطر ـ 5). 
وقد حذر نبي الرحمة محمد بن عبد الله صلوات الله تعالى عليه وآله من الغرور في قوله: "لا تغتروا بالله، فإن الله لو أغفل شيئا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة"، وقوله: " حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم؟! ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملء الأرض من المغترين".
واساس الغرور هو الجهل والكسل، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام قوله: "كفى بالاغترار جهلا"، وقوله: "من جهل اغتر بنفسه وكان يومه شرا من أمسه".
والمغرور هو الأكثر خسرانا، وإن لم يشعر بذلك، بعد أن أوهمه الوهم قد بما ليس حقيقي، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام: "المغرور في الدنيا مسكين، وفي الآخرة مغبون، لأنه باع الأفضل بالأدنى، ولا تعجب من نفسك، فربما اغتررت بمالك وصحة جسمك أن لعلك تبقى".





جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م