رجوع
عندما يتقدم العلم وتتراجع البوصلة

عندما يتقدم العلم وتتراجع البوصلة


الشيخ معتصم السيد أحمد


العالم اليوم لا يعاني من نقص في المعرفة، بل من طريقة استخدامها. كل يوم يضيف الإنسان اكتشافاً جديداً، ويكسر حدوداً لم يكن يتخيل تجاوزها، لكن في المقابل تتزايد الأسئلة حول اتجاه هذا التقدم. ليس لأن العلم أخطأ، بل لأن المسار الذي يسير فيه لم يعد واضحاً من حيث الغاية.


الإنسان أصبح قادراً على أن يفعل الكثير، لكنه أقل وضوحاً في ما ينبغي أن يفعله. وهذه المفارقة تكشف أن المشكلة لم تعد في “القدرة”، بل في “التوجيه”. فحين تنفصل المعرفة عن الإطار الذي يحدد معناها، تتحول من وسيلة للبناء إلى قوة مفتوحة، يمكن أن تُستخدم في اتجاهات متناقضة.


في هذا السياق، لا يظهر الخلل في تفاصيل العلوم، بل في موقعها من حياة الإنسان. هل هي مجرد أدوات لفهم الظواهر وتسخيرها، أم أنها جزء من رؤية أوسع تحدد علاقة الإنسان بالعالم من حوله؟ الفرق بين الاثنين ليس نظرياً، بل ينعكس مباشرة على طريقة استخدام هذه العلوم.


العلم بطبيعته يركّز على “كيف تعمل الأشياء”. يحلل، يفسّر، يكتشف العلاقات بين الظواهر. هذه وظيفته الأساسية، ولا يمكن الاستغناء عنها. لكن هذه الوظيفة، مهما بلغت دقتها، لا تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا نفعل بهذه المعرفة؟ هذا السؤال لا ينتمي إلى نفس الدائرة، بل يحتاج إلى مرجعية أوسع من مجرد التجربة والملاحظة.


وهنا بدأ الانفصال. في كثير من السياقات الحديثة، تم التعامل مع العلم وكأنه كافٍ بذاته، لا يحتاج إلى توجيه خارجي. يكفي أن نعرف، ثم نترك التطبيق يسير وفق المصلحة أو القدرة. ومع الوقت، أصبح معيار النجاح العلمي هو الوصول، لا الغاية. هل تمكنا؟ نعم. لكن: هل كان ينبغي؟ هذا السؤال لم يعد حاضراً بنفس القوة.


هذا التحول لا يظهر في صورة خطأ مباشر، بل في تراكمات. معرفة تتقدم، واستخدامات تتوسع، لكن الإطار الذي يضبطها يظل ضعيفاً. ومع هذا الضعف، تبدأ الاختلالات بالظهور. ليس لأن العلم سيئ، بل لأنه يعمل دون بوصلة واضحة.


الإنسان في هذا الوضع يشبه من يملك أدوات دقيقة وقوية، لكنه لا يملك تصوراً متماسكاً لما يريد أن يبنيه. قد ينجز الكثير، لكنه لا يضمن أن ما يبنيه متوازن أو نافع على المدى البعيد. وهنا، لا تكون المشكلة في الأدوات، بل في غياب الرؤية.


في المقابل، هناك تصور مختلف لموقع العلم. لا ينفي أهميته، ولا يقلل من قيمته، لكنه لا يتركه يعمل في فراغ. يرى أن المعرفة تحتاج إلى إطار قيمي يحدد اتجاهها، ويضبط استخدامها. هذا الإطار لا يتدخل في تفاصيل الاكتشاف، بل في توجيهه.


العلم في هذا الفهم لا يفقد استقلاله، لكنه لا يُفصل عن الإنسان الذي يستخدمه. والإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن الكفاءة، بل كائن يبحث عن المعنى أيضاً. وإذا لم يُؤخذ هذا البعد بعين الاعتبار، تتحول المعرفة إلى نشاط تقني، لا إلى مشروع إنساني متكامل.


من هنا، لا يكون المطلوب أن نبحث في النصوص الدينية عن كل تفصيل علمي، ولا أن نحولها إلى بديل عن المختبر والتجربة. هذا خلط بين مجالات مختلفة. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن نترك العلم دون مرجعية تضبطه. التوازن يكمن في أن يؤدي كل مجال وظيفته، دون أن ينفصل عن الآخر.


النص الديني لا يشرح للإنسان كيف تتحرك الجبال أو كيف تتكون النجوم، لكنه يضع له إطاراً لفهم موقعه في هذا الكون، ويحدد له علاقة أخلاقية مع ما يملكه من معرفة. هذا الإطار هو الذي يعطي للعلم اتجاهه، ويمنع تحوله إلى قوة بلا ضابط.


وفي هذا السياق، تتغير نظرة الإنسان حتى للأشياء البسيطة. الموارد الطبيعية لا تعود مجرد مواد قابلة للاستهلاك، بل تتحول إلى مسؤولية. استخدامها لا يُقاس فقط بالمنفعة، بل بالعدل، وبحق الآخرين، وبالاستدامة. هذه المعاني لا تنتجها المعادلات، بل تنتجها الرؤية التي تحيط بها.


كما أن هذا الفهم يعيد تعريف التقدم نفسه. ليس كل ما يمكن تحقيقه يُعد تقدماً بالضرورة، بل يُنظر إلى أثره في حياة الإنسان. هل يحقق توازناً؟ هل يحفظ كرامته؟ هل يعزز إنسانيته؟ هذه الأسئلة تعيد إدخال البعد الأخلاقي في تقييم المعرفة.


ومن الزوايا المهمة أيضاً، أن العلم حين يكتفي بالظاهر، يظل محدوداً في إجاباته. يستطيع أن يفسر الظواهر، لكنه لا يفسر الغاية منها. يصف، لكنه لا يحدد المعنى. وهذه الحدود ليست نقصاً في العلم، بل في طبيعته. لأنه لم يُصمم للإجابة عن كل الأسئلة، بل عن نوع معين منها.


وحين تُترك الأسئلة الأخرى دون إجابة، يظهر فراغ، حتى في ظل التقدم. الإنسان قد يملك الوسائل، لكنه لا يملك الاتجاه. يعرف كيف يصل، لكنه لا يعرف إلى أين. وهذا ما يفسر شعوراً متزايداً بالقلق، رغم وفرة الإمكانات.


في المقابل، حين تُربط المعرفة برؤية أوسع، يتغير موقعها. لا تعود مجرد أداة للسيطرة، بل وسيلة للفهم. ولا يعود الهدف منها فقط تسخير الطبيعة، بل أيضاً فهم العلاقة معها. هذا التحول لا يبطئ التقدم، بل يجعله أكثر توازناً.


وهنا، يظهر دور الإنسان مرة أخرى. لأنه هو الذي يربط بين المعرفة واستخدامها. فإذا اكتفى بدور المتلقي، أو المستخدم، دون أن يسأل عن المعنى، سيبقى العلم منفصلاً عن القيم. أما إذا أعاد طرح هذه الأسئلة، فإنه يعيد إدخال البوصلة في المسار.


في النهاية، لا يكمن التحدي في تطوير العلم، بل في إعادة وضعه ضمن إطار يليق بمكانته. إطار لا يحدّه، بل يوجهه. لا يعطله، بل يضبطه. لأن المعرفة، مهما بلغت، تحتاج إلى ما يحدد اتجاهها، وإلا تحولت من وسيلة للارتقاء إلى قوة لا يُضمن مسارها.


وحين يستعيد العلم هذه البوصلة، لا يتراجع، بل يصبح أكثر قدرة على خدمة الإنسان، لأنه لم يعد يعمل في فراغ، بل ضمن رؤية تعطي لكل معرفة معناها، ولكل استخدام حدوده.

مشاركة: