الشيخ معتصم السيد أحمد
من أكثر الأسئلة
إلحاحاً في الوعي الإنساني سؤال العدل: كيف يُحاسب الله الناس وهم متفاوتون في كل
شيء؟ فالبشر لا يعيشون في ظروف متشابهة، ولا يمتلكون نفس القدرات العقلية، ولا
تصلهم الحقيقة بدرجة واحدة من الوضوح. فهناك من نشأ في بيئة تفتح له أبواب
المعرفة، وهناك من وُلد في بيئة تحجبه عنها، وهناك من يمتلك قدرة عالية على
التمييز، وآخر محدود الإدراك، وبين هذا وذاك تتفاوت الفرص والإمكانات بشكل كبير.
في ظل هذا التباين
الواضح، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن أن تكون المحاسبة عادلة مع هذا الاختلاف؟
وهل يُحاسب الجميع بمعيار واحد، أم أن العدل يقتضي مراعاة هذه الفوارق؟ وإذا كان
الأمر كذلك، فما هو المعيار الحقيقي الذي يُبنى عليه الحكم الإلهي؟
هذه الإشكالية لا
يمكن التعامل معها بإجابات سطحية، لأنها تمسّ أساس العلاقة بين الإنسان ومصيره.
ومن هنا، فإن فهم العدل الإلهي في الإسلام لا بد أن ينطلق من تحليل دقيق لطبيعة
الإنسان، وحدود معرفته، وعلاقته بالحقيقة، ثم قراءة النصوص الدينية ضمن هذا
الإطار، لا بمعزل عنه.
القرآن الكريم يضع
أساساً حاكماً لا يمكن تجاوزه في فهم العدل الإلهي، وهو أن الله سبحانه لا يحاسب
الإنسان إلا في حدود ما بلغه من بيان، وما توفر له من قدرة على الفهم والاختيار.
يقول تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}، وهذه الآية
لا تُفهم بوصفها حكماً تاريخياً متعلقاً بإرسال الرسل فقط، بل بوصفها قاعدة عامة
في العدل، مفادها أن المؤاخذة لا تكون إلا بعد البيان. ويؤكد هذا المعنى قوله
تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى
اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}، فرفع الحجة عن الناس لا يتحقق إلا بإقامة
الحجة عليهم.
وفي هذا الإطار،
لا يُنظر إلى الإيمان باعتباره انتماءً شكلياً، بل بوصفه استجابة واعية للحقيقة.
فالقرآن لا يمدح مجرد الانتساب، بل يربط الإيمان بالعلم والبصيرة، كما في قوله
تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا
وَمَنِ اتَّبَعَنِي}. فالبصيرة هنا هي الأساس الذي يُبنى عليه الموقف، وهي التي
تجعل من الإيمان خياراً واعياً، لا تقليداً أعمى.
ومن هنا، فإن
معيار العدل الإلهي لا يدور حول الأسماء والعناوين، بل حول العلاقة بين الإنسان
والحقيقة. فالسؤال الحقيقي ليس: إلى أي دين ينتمي الإنسان؟ بل: ماذا عرف؟ وكيف
تعامل مع ما عرف؟ وهذا ما تشير إليه نصوص كثيرة، منها قوله تعالى: {لِيَهْلِكَ
مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}، فالهلاك والحياة
هنا ليسا عشوائيين، بل مرتبطان بوضوح الطريق وقيام الحجة.
ويؤكد القرآن
أيضاً أن المسؤولية مرتبطة بالقدرة، فلا يُكلف الإنسان بما لا يطيق، كما في قوله
تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وقوله: {لَا يُكَلِّفُ
اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}. وهذه الآيات تؤسس لفهم عميق للعدل، حيث
يُربط الحكم بواقع الإنسان الفعلي، لا بصورة مثالية مفترضة عنه.
وفي روايات أهل
البيت عليهم السلام، يتجلى هذا المعنى بوضوح أكبر. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه
السلام أنه قال: "إن من قولنا إن الله يحتج على
العباد بما آتاهم وعرفهم.. إلى أن قال: وكل شيء أمر الناس به فهم يسعون له، وكل شيء
لا يسعون له فهو موضوع عنهم". وهذا يعني أن مناط الحساب هو ما وصل إلى
الإنسان من معرفة، لا ما لم يصل إليه. وفي رواية أخرى، عن الإمام الصادق عليه
السلام قال: "إنّي نظرت في كتاب لعليّ عليه السلام فوجدت في الكتاب
أن قيمة كلّ امريء وقدره معرفته ، إنّ الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما
آتاهم من العقول في دار الدنيا"، وعن أبي جعفر عليه
السلام قال : "إنّما يداقّ الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر
ما آتاهم من العقول في الدنيا" وهو تعبير دقيق عن
تفاوت الإدراك الإنساني، وما يترتب عليه من تفاوت في المسؤولية.
ومن جهة أخرى، إذا
نظرنا إلى العدل كما عرّفه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «العدل يضع الأمور
مواضعها»، فإننا لا نكون أمام تعريف لغوي فحسب، بل أمام قاعدة تفسّر كيفية تحقق
العدل في الواقع. فالعدل ليس مساواةً شكلية بين المختلفين، لأن المساواة بين غير
المتساوين ظلمٌ في حقيقته، وإنما هو إعطاء كل إنسان ما يستحقه بحسب واقعه، لا بحسب
صورة عامة مفترضة.
فلو سُوّي بين من
امتلك وضوحاً في الرؤية، ومن عاش في غموض قسري، أو بين من تهيأت له أسباب المعرفة،
ومن حُرم منها، لكان ذلك نقضاً للعدل لا تحقيقاً له. ومن هنا، فإن العدل الإلهي لا
يقوم على معاملة الناس بمعيار واحد جامد، بل على مراعاة الفوارق الحقيقية بينهم:
في العلم، والقدرة، والظروف، وإمكان الوصول إلى الحقالحقيقة
وهذا الفهم يفتح
الباب لفهم أعمق لطبيعة المحاسبة. فالحساب الإلهي لا يكون على "النتيجة" بمعزل
عن الطريق الذي أدّى إليها، بل على مجموع المسار: ماذا أُتيح للإنسان؟ ماذا فهم؟ ماذا
كان يستطيع أن يفهم؟ ثم ماذا اختار بعد ذلك؟ وبهذا المعنى، لا يكون العدل مجرد حكم
على الفعل، بل حكم على الإنسان في سياقه الكامل.
ومن هنا، يتبين أن
تقسيم الناس إلى "مؤمن" و"غير مؤمن" إذا فُهم
بوصفه تصنيفاً ظاهرياً مجرداً، فإنه يفقد معناه الحقيقي. لأن الإيمان في جوهره ليس
مجرد إعلان، بل هو موقف من الحقيقة بعد تبيّنها. كما أن عدم الإيمان ليس دائماً
تعبيراً عن رفض واعٍ، بل قد يكون نتيجة جهل، أو قصور، أو تشويه في المعرفة. وهذا
التفاوت هو الذي يجعل الحكم الإلهي متدرجاً ودقيقاً، لا حكماً واحداً يُسقط على
الجميع.
وفي هذا السياق،
يبرز البعد الأخلاقي للإيمان بصورة أوضح. فالإيمان ليس بديلاً عن الأخلاق، بل هو
تعميق لها وربطها بجذرها المعرفي. يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، في تلازم يكشف أن القيمة الأخلاقية لا تُفصل عن الرؤية
التي يحملها الإنسان للوجود. فلا قيمة لإيمانٍ لا ينعكس على السلوك، كما أن السلوك
نفسه يفقد عمقه حين ينفصل عن معنى يفسّره ويوجّهه.
ومن جهة أخرى، لا
ينكر الإسلام أن الإنسان قد يدرك بعض القيم الأخلاقية بعقله وفطرته، كما في قوله
تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، لكن هذا الإدراك يظل جزئياً
ومحدوداً، ولا يغني عن الهداية التي تكشف الصورة الكاملة للحق، وتضع هذه القيم في
إطارها الصحيح. ومن هنا، فإن الأخلاق في الإسلام ليست مجرد استجابات عفوية، بل جزء
من منظومة متكاملة تربط بين المعرفة والسلوك، وبين الحقيقة والعمل.
وعندما يُفهم
العدل الإلهي في هذا الإطار، يتضح أنه لا يقوم على التمييز الاعتباطي، ولا على
الانتماءات الشكلية، بل على قراءة شاملة لحقيقة الإنسان. فهو لا ينظر إلى ما فعله
الإنسان فقط، بل إلى ما كان قادراً على فعله، ولا إلى ما آمن به فقط، بل إلى كيف
وصل إلى هذا الموقف، ولا إلى النتيجة وحدها، بل إلى الطريق الذي أوصل إليها.
وهذه القراءة
الدقيقة هي التي تجعل الحكم الإلهي منسجماً مع العدل، لا متعارضاً معه، لأنها
تُعيد كل إنسان إلى واقعه الحقيقي، لا إلى صورة مبسطة عنه.
إن الفلسفة
الإسلامية في العدل تقدّم تصوراً متماسكاً يوازن بين حرية الإنسان ومسؤوليته، وبين
قدرته وحدوده، وبين معرفته وما خفي عنه. وهي بذلك تتجاوز الإشكالات التي تنشأ من
اختزال الإنسان في بعد واحد، أو من التعامل معه بوصفه كائناً منفصلاً عن ظروفه
وسياقه، لتقدّم رؤية ترى الإنسان كما هو: كائناً يعيش بين الإمكان والمعرفة
والاختيار، ويُحاسَب في ضوء ذلك كله.
وفي المحصلة، فإن
معيار العدل الإلهي في الإسلام لا يُختزل في الانتماء، ولا في الفعل المجرد، بل
يقوم على العلاقة العميقة بين الإنسان والحقيقة. فالمعيار هو: ماذا عرف الإنسان؟
وكيف تعامل مع ما عرف؟ وما الذي كان قادراً عليه؟ وفي هذا الإطار، يصبح العدل
الإلهي ليس لغزاً يحتاج إلى حل، بل تعبيراً عن حكمةٍ تضع كل إنسان في موضعه
الحقيقي، وتحاسبه بما ينسجم مع واقعه، لا بما يُفترض فيه.