رجوع
الثورة الحسينية: من صدمة الوعي إلى نهضة الأمة ومسار التحرر

الثورة الحسينية: من صدمة الوعي إلى نهضة الأمة ومسار التحرر

الشيخ مصطفى الهجري

لم تكن شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء مجرد فاجعة عابرة طواها النسيان، بل كانت زلزالاً مدوياً أسهم بشكل مباشر وجذري في إيقاظ الأمة الإسلامية من سباتها العميق، وعالج مرض "فقدان الثقة بالذات" الذي كاد أن يقضي على هويتها. إن قراءة متأنية في سجلات التاريخ، تتجاوز النتائج الآنية للمعركة لتصل إلى أبعادها المستقبلية، تكشف لنا كيف تحول دم الحسين (عليه السلام) إلى شرارة أوقدت مشاعل الوعي، وأسست لمنهج تغييري لا يزال ينبض بالحياة.

أولاً: كشف الزيف وصدمة الوعي الوجدانية

لقد كانت النتيجة المباشرة والأولى لشهادة الحسين (عليه السلام) بتلك الطريقة المروعة هي كشف الأمة الإسلامية وتعريتها أمام نفسها، وفضح كل أشكال الزيف التي تسللت إلى مواقع القيادة. لقد تحول دمه الشريف إلى مرآة عاكسة أرت المسلمين حقيقتهم وذواتهم، ووضعتهم وجهاً لوجه أمام مسؤولياتهم التاريخية والدينية.

إن قتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الطريقة الفظيعة شكّل "صدمة وجدانية عارمة"، جعلت المسلمين يعيشون حالة من الحيرة والذهول. لقد عصفت بهم أسئلة مفجعة أقضت مضاجعهم: أليس هذا المحمول رأسه على القناة هو الذي كان يحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على كتفيه؟! أليس هذا الذي يُرضّ صدره بحوافر الخيول هو من قال عنه وعن أخيه النبي الأكرم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» (مسند أحمد ج ٣ ص ٣، وسنن ابن ماجة ج ١ ص ٤٤، وسنن الترمذي ج ٥ ص ٣٢١)؟ وكيف هان عليهم من قال فيه جده: «اللهم أحبهما فإني أحبهما» (صحيح البخاري ج ٤ ص ٢١٤)؟!

هذه التساؤلات المريرة ولّدت في النفوس ندماً عميقاً، وإحساساً ثقيلاً بالتقصير والذنب لخذلانهم ابن بنت نبيهم، مما أدى لاحقاً لانفجار الموقف وتبلور حركات استهدفت التكفير عن هذا الذنب عبر الثورة.

ثانياً: الرد على شبهة "التبخر العاطفي" واستمرار الطغيان

قد يطرح البعض إشكالية مفادها أن هذه الهزة الوجدانية سرعان ما تبخرت أدراج الرياح، مستدلين على ذلك بأن نظام الحكم الأموي، المتمثل بيزيد بن معاوية، استمر في غيّه وظلمه وإفساده ولم يسقط فوراً. بل إن السلطة بعد جرأتها على قتل الحسين في السنة الأولى، هانت عليها كل المحرمات. ففي السنة الثانية، اجترأ يزيد على إباحة المدينة المنورة لجنده العتاة في "وقعة الحرة" الأليمة، حيث أمر قائده مسلم بن عقبة قائلاً: «ادع القوم ثلاثا فإن هم أجابوك وإلا فقاتلهم فإذا أظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً فما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند» (تاريخ الطبري ج ٤ ص ٣٧٢، وأنساب الأشراف ج ٥ ص ٣٢٣). وفي السنة الثالثة، اقتحم جيشه مكة المكرمة بقيادة الحصين بن نمير ورمى الكعبة بالمنجنيق (تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج ١٤ ص ٣٨٧).

إلا أن القراءة العميقة للتاريخ تؤكد أن الثورات الكبرى لا تقاس بنتائجها الآنية فقط، بل بتأثيراتها الممتدة. إن تصاعد البطش الأموي لم يكن دليلاً على فشل الثورة الحسينية، بل كان تخبطاً يعكس رعب السلطة من الوعي المتنامي الذي أحدثه دم الحسين، والذي أثمر لاحقاً نتائج زلزلت أركان الطغيان.

ثالثاً: الثمرات المباشرة: تقويض عروش الظالمين

لقد كانت ثورة الحسين (عليه السلام) الأكثر عطاءً وبركة على مر التاريخ، وأولى ثمراتها المباشرة كانت السقوط الحتمي للحكم اليزيدي وتقويض سلطان بني أمية. لقد أدرك الحكام اللاحقون هذه الحقيقة، حتى روي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى واليه الدموي الحجاج بن يوسف محذراً: «جنبني دماء أهل هذا البيت، فإني رأيت بني حرب سُلبوا ملكهم لما قتلوا الحسين» (العقد الفريد ج ٥ ص ١٢٦).

لقد ألهبت كربلاء مشاعر المسلمين، فاندفعوا في ثورات وانتفاضات متوالية، منها:

١. ثورة أهل المدينة (وقعة الحرة): بقيادة عبد الله بن حنظلة الذي أوضح الدافع الشرعي لخروجهم قائلاً: «فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء. إنّه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة!!» (الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٥ ص ٦٦، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج ٣٧ ص ٤٢٩).

٢. ثورة التوابين (سنة ٦٥ هـ): بقيادة الصحابي سليمان بن صرد الخزاعي في عين الوردة، والتي اتخذت من «يا لثارات الحسين» شعاراً لها (تاريخ الطبري ج ٤ ص ٤٥١).

٣. ثورة المختار الثقفي (سنة ٦٦ هـ): الذي ثار في الكوفة وانتقم من قتلة الحسين، وعلى رأسهم عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد. وقد لاقت حركته في القصاص من القتلة ترحيباً، حتى روي أن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) لما أتي برأس عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد، خرَّ ساجداً وقال: «الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً» (اختيار معرفة الرجال للكشي ج ١ ص ٣٤١).

٤. استمرت جذوة الثورة متقدة مع ثورات أُخرى مثل ثورة زيد بن علي (سنة ١٢١هـ) وثورة يحيى بن زيد (سنة ١٢٥هـ).

رابعاً: التأسيس الشرعي لثقافة الرفض وإبطال فكرة الخضوع

من أعظم إسهامات الثورة الحسينية أنها نسفت الأساس التنظيري الذي كانت تروج له السلطات الاستبدادية، والذي ينادي بضرورة رضوخ الأمة للحاكم الجائر واستسلامها له وعدم جواز الخروج عليه. كانت السلطة تستند إلى أحاديث تروج للخضوع المطلق، كالحديث المنسوب للنبي: «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع!» (صحيح البخاري ج ٦ ص ٢٠).

جاءت ثورة الإمام الحسين لتكذب هذا النهج الاستسلامي إبطالاً عملياً ونظرياً، حيث حرص الإمام على نقل المنهج الأصيل عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخطب في أصحابه وأصحاب الحر الرياحي قائلاً: «أيّها الناس إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لِحُرَم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله» (تاريخ الطبري ج ٤ ص ٣٠٤). وبذلك أعاد الحسين للإسلام روحه الرافضة للظلم، وأسس شرعياً للمنهج الثوري في عملية التغيير.

خامساً: تقديم النموذج والقدوة العملية العابرة للأجيال

لم يتوقف عطاء الثورة الحسينية عند حدود زمانها، بل تحول الإمام الحسين (عليه السلام) إلى رمز يحتذى وملهم يقتدى به من قبل كل الأحرار والثائرين الذين يرفضون الرضوخ للظلم. لقد استمدت كل الانتفاضات اللاحقة ضد طغيان السلطة الجائرة العزيمة والصبر والإرادة من كربلاء.

وحتى في عصرنا الحاضر، نجد أن انتصارات المقاومين على العدو الصهيوني الغاصب في فلسطين، وتصديهم للعدو التكفيري الإلغائي، تدين بفاعليتها وحرارتها لدروس الثورة الحسينية. كما كان لمبادئ هذه النهضة الأثر الأكبر في انتصار الشعب الإيراني قبل عدة عقود على طاغية عصره.

إن كربلاء لم تكن نهاية المطاف، بل كانت نقطة انطلاق جديدة لوعي الأمة. ولهذا كله، يقع على عاتق الأمة اليوم أن تحرص على إبقاء الحسين (عليه السلام) حاضراً في نهجه الرسالي والأخلاقي والثوري، بحيث تتمثله الأجيال في سلوكها وأخلاقها ومواقفها، بدلاً من أن يتحول إلى مجرد "أيقونة" تاريخية مقدسة لا نتفاعل معها عملياً. إن استعادة الثقة بالذات وعلاج أمراض الأمة يبدأ من استلهام هذه الروح التي لم ترضخ للباطل، وقدمت أغلى ما تملك قرباناً لوعي الإنسان وحريته.

مشاركة: