الشيخ معتصم السيد أحمد
أصبحت الحرية في الخطاب المعاصر واحدة من أعلى القيم التي يُطلب من الإنسان أن يسعى إليها، حتى كاد يُفهم أن كلما اتسعت مساحة اختياره اقترب بالضرورة من السعادة، وأن المشكلة الأساسية في حياة الإنسان هي القيود التي تمنعه من أن يفعل ما يريد. ومن هنا صار الشعار الضمني في كثير من الثقافات الحديثة: كن نفسك، افعل ما تريد، لا تسمح لأحد أن يحدد لك كيف تعيش، ولا تجعل المجتمع أو الدين أو التقاليد تفرض عليك اختياراتك.
ولا شك أن الحرية قيمة عظيمة، وأن الإنسان لا يمكن أن يكون مسؤولاً ولا مكلفاً ولا صاحب إرادة إذا سُلِبت منه قدرته على الاختيار. كما أن الإسلام لم يرد للإنسان أن يكون تابعاً بلا عقل، ولا مكرهاً على الإيمان، ولا مسلوب الإرادة أمام السلطة أو المجتمع أو العادات. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الحرية من وسيلة لبناء الإنسان إلى غاية نهائية، وحين يُختزل معناها في أن يكون الإنسان قادراً على فعل ما يريد، من دون أن يُطرح السؤال الأهم: وماذا يريد الإنسان أصلاً؟ وهل كل ما يريده يقوده إلى الخير والسعادة؟
فليس كل من استطاع أن يختار أصبح حراً بالمعنى الحقيقي. قد يملك الإنسان عشرات الخيارات، لكنه يكون أسيراً لرغبة واحدة. وقد لا يفرض عليه أحد شيئاً من الخارج، لكنه يكون عاجزاً عن مقاومة ما يفرضه عليه هواه من الداخل. وقد يرفض سلطة المجتمع، لكنه يقع تحت سلطة الشهوة أو الإدمان أو الخوف أو الرغبة في رضا الآخرين.
وهنا يظهر الفرق بين حرية الاختيار والتحرر الحقيقي. فحرية الاختيار تعني أن أستطيع أن أفعل ما أريد، أما التحرر الحقيقي فيعني أن أستطيع أيضاً أن أرفض ما أريده حين أعرف أنه يضرني. والذي لا يستطيع أن يقول لرغبته: لا، ليس حراً تماماً، حتى لو كان المجتمع كله قد ترك له الباب مفتوحاً.
فالمدمن، مثلاً، قد لا يمنعه أحد من الوصول إلى ما يريد، لكنه لا يكون حراً حين يعجز عن تركه. والذي يقضي ساعات طويلة أمام هاتفه قد يظن أنه يفعل ما يشاء، لكنه إذا لم يستطع أن يغلقه حين يريد فقد تحولت الرغبة إلى قيد. والذي يبني كل اختياراته على إعجاب الناس به قد يبدو مستقلاً، لكنه في الحقيقة يعيش تحت سلطة نظراتهم.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أستطيع أن أفعل ما أريد؟ بل: هل أملك نفسي حين أريد أن أتوقف؟
وهذا المعنى حاضر بقوة في الرؤية الإسلامية؛ لأن الإسلام لا ينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً تتحقق سعادته بمجرد إزالة القيود الخارجية، بل يلفت نظره دائماً إلى القيود التي تنشأ في داخله. فالهوى قد يصبح سيداً، والشهوة قد تتحول إلى أمر، والخوف قد يعيد تشكيل القرارات، والطمع قد يدفع الإنسان إلى ما يرفضه عقله وضميره.
ولهذا يقول القرآن: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. فالآية لا تتحدث عن إنسان لا يملك إرادة، بل عن إنسان يملك إرادة لكنه جعل هواه هو الذي يحدد له اتجاهه. هنا تصبح المشكلة أعمق من القيد الخارجي؛ لأن الإنسان قد يظن نفسه حراً بينما هو خاضع من الداخل.
ومن الخطأ أن نتصور أن القيود كلها تأتي من الخارج. بعض أخطر القيود يختارها الإنسان بنفسه ثم يعتاد عليها حتى لا يعود يراها قيوداً. فقد يبدأ الأمر برغبة بسيطة، ثم تتحول إلى حاجة، ثم إلى تعلق، ثم يصبح الإنسان عاجزاً عن تصور نفسه من دونها. وحينها لا يعود هو الذي يملك الرغبة، بل تصبح الرغبة هي التي تملكه.
ولهذا لا يكفي أن تقول للإنسان: افعل ما تريد، لأن هذا الشعار يفترض أن الإنسان يعرف دائماً ما ينفعه، وأن رغباته منسجمة دائماً مع مصلحته، وهذا غير صحيح. فالإنسان قد يريد ما يؤذيه، وقد يحب ما يفسده، وقد ينفر مما يصلحه. والقرآن يشير إلى هذه الحقيقة بوضوح حين يقول: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
فالحرية لا تُقاس بعدد الأبواب المفتوحة أمام الإنسان فقط، بل بقدرته على معرفة أي باب ينبغي أن يدخله وأي باب ينبغي أن يتركه. وما قيمة أن تكون كل الطرق متاحة إذا لم يعرف الإنسان إلى أين يريد أن يصل؟
وهنا نصل إلى نقطة أساسية: الحرية وحدها لا تمنح الإنسان معنى. قد يستطيع أن يختار عمله ولباسه وطريقة حياته ومكان إقامته، لكنه يبقى قادراً على الشعور بالفراغ. وقد تتسع خياراته إلى حد كبير بينما يزداد اضطرابه، لأنه لا يعرف على أي أساس يختار.
فكثرة الخيارات ليست دائماً نعمة إذا غاب المعيار. بل قد تتحول إلى عبء. فالإنسان حين لا يمتلك رؤية واضحة للخير والشر، ولما يستحق أن يعيش من أجله، يصبح كل اختيار عنده قابلاً للتبدل. واليوم الذي يختار فيه شيئاً قد يندم عليه غداً، لا لأنه فقد حريته، بل لأنه لم يكن يعرف كيف يستخدمها.
ومن هنا فإن الإسلام لا يقف ضد الحرية، لكنه يرفض أن يتركها بلا هداية. فالله منح الإنسان الإرادة، لكنه أرسل إليه أيضاً ما يهديه؛ لأن الاختيار من دون معرفة قد يقود إلى الهلاك، كما أن المعرفة من دون اختيار لا تصنع إنساناً مسؤولاً.
فالحرية في التصور الإسلامي ليست أن أفعل أي شيء، بل أن أمتلك القدرة على اختيار ما ينسجم مع حقيقتي وكرامتي. ولهذا فإن الأوامر والنواهي لا تأتي لسلب الإنسان حريته، بل لحمايتها من أن تتحول إلى عبودية جديدة.
حين يمنع الإسلام الإنسان من الخمر، مثلاً، فهو لا يصادر حريته، بل يحمي عقله الذي به يختار. وحين يمنعه من الزنا لا يريد أن يعاقب رغبته، بل يحمي علاقته بنفسه وبالآخرين والأسرة والمجتمع. وحين يأمره بالصدق والأمانة لا يضعه في سجن أخلاقي، بل يمنعه من أن تتحول مصلحته إلى سيد يأمره بالكذب والخيانة.
ولذلك فإن بعض القيود لا تنقص الحرية، بل تحفظها. كما أن إشارات المرور تقيد حركة السائق لكنها تحمي قدرته على الوصول، فإن الحدود الأخلاقية قد تمنع الإنسان من بعض الرغبات لكنها تحميه من الوقوع في عبودية أشد.
وهذا ما يغيب حين تُقدَّم الحرية بوصفها التحرر من كل قيد. فالإنسان الذي يرفض كل الحدود قد يكتشف متأخراً أنه لم يتحرر من القيود، بل استبدل بها قيوداً أخرى صنعها بنفسه.
قد يتحرر من ضغط أسرته ثم يصبح أسيراً لرأي أصدقائه. وقد يتمرد على المجتمع ثم يعيش حياته بحثاً عن إعجاب متابعيه. وقد يرفض الدين لأنه يراه قيداً، ثم يقضي سنوات وهو عاجز عن مقاومة عادة يدرك أنها تحطمه.
فالاستقلال الحقيقي ليس أن لا يسمع الإنسان لأحد، بل أن لا يسمح لشيء باحتلال إرادته.
ومن هنا نفهم لماذا لا تكفي الحرية لصناعة السعادة. فالسعادة تحتاج إلى شيء آخر: أن يكون الإنسان حراً وفي الوقت نفسه يعرف ما الذي يستحق أن يختاره. وأن يستطيع أن يحقق رغباته، لكنه يعرف أيضاً أي رغبة ينبغي أن يرفضها. وأن تكون له إرادة، لكن تكون له كذلك غاية.
فالحرية تجيب عن سؤال: من يختار؟ لكنها لا تجيب عن سؤال: ماذا ينبغي أن أختار؟ ولا عن سؤال: لماذا أعيش؟ ولا عن سؤال: إلى أين ينبغي أن أصل؟
وهذه الأسئلة لا يمكن أن تحسمها الحرية وحدها. فالإنسان يستطيع أن يختار طريقه، لكن الطريق لا يصبح صحيحاً لمجرد أنه اختاره. وقد يكون القرار شخصياً تماماً، لكنه يظل قراراً مدمراً. فالخطأ لا يتحول إلى صواب لأن صاحبه اختاره بنفسه، كما أن النار لا تصبح باردة لأن الإنسان دخلها بإرادته.
ومن أكثر الأوهام انتشاراً أن كل اختيار حر يجب احترامه بوصفه خيراً لصاحبه. نعم، ينبغي احترام الإنسان وحقه في الاختيار، لكن احترامه لا يعني أن كل اختيار يصدر عنه يصبح حكيماً. فالإنسان قد يختار الإضرار بنفسه، وقد يختار ما يهدم مستقبله، وقد يكتشف بعد سنوات أن أكثر القرارات التي اتخذها بحرية كانت أكثرها إساءة إليه.
وهنا يظهر دور العقل والوحي والتجربة والنصيحة. فالإنسان لا يُهان حين يُنصح، ولا تُسلب حريته حين يُقال له إن بعض الطرق ستؤذيه. بل ربما كان من أكثر أشكال احترام الإنسان أن نعامله بوصفه قادراً على مراجعة اختياراته، لا بوصف كل رغباته مقدسة لا يجوز الاقتراب منها.
والإسلام حين يربي الإنسان لا يريد منه أن يكون خائفاً من الحياة، ولا تابعاً بلا إرادة، بل يريد منه أن يبلغ درجة يستطيع فيها أن يملك نفسه. ولهذا ارتبطت التقوى دائماً بالقدرة على المقاومة؛ مقاومة ما يجذب الإنسان إلى ما لا يليق به.
فالذي يستطيع فعل الخطأ ثم يتركه ليس أقل حرية ممن يفعله، بل قد يكون أكثر حرية منه. والذي يستطيع الانتقام ثم يعفو، ويستطيع الكذب ثم يصدق، ويستطيع الخيانة ثم يفي، هو إنسان يملك إرادته بصورة أعمق.
إن الحرية الحقيقية ليست فقط أن لا يمنعك الآخرون، بل أن لا تمنعك شهواتك ومخاوفك وأهواؤك من أن تكون الإنسان الذي تريد أن تكونه.
ومن هنا يمكن أن نفهم العبودية لله بصورة مختلفة. قد يظن بعض الناس أن العبودية والحرية نقيضان، لكن الرؤية الإسلامية ترى أن العبودية لله هي الطريق إلى التحرر من كل ما سواه. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا مرجعية، فإذا لم يكن الحق هو الذي يحدد له اتجاهه، فسيتقدم شيء آخر ليقوم بالدور نفسه: المال، أو الشهوة، أو الناس، أو السلطة، أو الأنا.
ولهذا فإن قول الإنسان: أنا عبد لله، لا يعني أنه فقد نفسه، بل يعني أنه يرفض أن يكون عبداً لما هو أدنى منه. فلا يخضع لمصلحة حين تأمره بالباطل، ولا لرأي الناس حين يخالف الحق، ولا لرغبة حين تهدم كرامته.
وفي المحصلة، ليست المشكلة في الحرية، بل في تصورها بوصفها الغاية الأخيرة للإنسان. فالحرية ضرورية، لكنها تحتاج إلى عقل يهديها، وقيمة تضبطها، وغاية تمنحها المعنى.
فالإنسان لا يكون سعيداً لمجرد أنه يفعل ما يريد، بل حين يريد ما يستحق أن يريده، ويستطيع أن يختاره، ويملك القوة على رفض ما يهدمه.
وقد تكون أعلى درجات الحرية أن يستطيع الإنسان أن يقول «لا» لنفسه حين تقوده إلى ما لا يليق به.
فليس الحر من لا قيد عليه، بل الحر من لا يستطيع شيء أن يستعبده؛ لا شهوة، ولا مال، ولا خوف، ولا رأي الناس.
وحين يفهم الإنسان الحرية بهذه الصورة، لا تعود الهداية خصماً لها، بل تصبح شرطاً لحسن استخدامها، ولا تعود القيم قيوداً على حياته، بل سياجاً يحفظها من أن تتحول إلى رحلة طويلة وراء الرغبات بلا غاية.
فالحرية تمنح الإنسان القدرة على السير، لكن السعادة تحتاج إلى أن يعرف إلى أين يسير.