الشيخ مقداد الربيعي
خلال زياراتي المتكررة لمعارض الكتب في الآونة الأخيرة، استوقفتني ظاهرة ملفتة للنظر؛ فقد لاحظت إقبالاً واسعاً ومنقطع النظير من قبل القرّاء، وخاصة الشباب، على اقتناء الروايات والقصص، في مقابل ابتعاد واضح وعزوف ملحوظ عن شراء الكتب الفكرية، أو التاريخية، أو العلمية. أمام هذا المشهد، يتبادر إلى الذهن سؤال ملحّ يتردد صداه كثيراً في الأوساط الثقافية: هل هذه الظاهرة صحية؟ أم أنها تشكل تدنياً في المستوى الثقافي للمجتمع وانحداراً في الوعي يستحق التأنيب والتقريع؟
في الواقع، وبدلاً من التسرع في إطلاق الأحكام القاسية وممارسة الفوقية الثقافية، يجب أن ندرك أن هذه الظاهرة هي في جوهرها ظاهرة صحية، بل ومؤشر إيجابي ينبغي الالتفات إليه بعمق. إن هذا الإقبال الكثيف يكشف عن ميل فطري وسليم لدى القارئ نحو قراءة "ما يُحب" أن يقرأه، لا ما يُفرض عليه.
وهنا تتجلى الأهمية البالغة للفكرة التي طرحها المفكر "آلان جاكوبس"، والتي تؤكد على ضرورة المحافظة على القراءة من خلال زرع "حب القراءة" نفسه. إن الخطأ الأكبر الذي يرتكبه بعض المثقفين بحق القارئ المبتدئ هو تحويل القراءة من مساحة للشغف والمتعة إلى واجب مدرسي وقيد ثقيل. لقد دأبت الأوساط الثقافية على وضع "قوائم قراءة" صارمة (كالكتب المائة التي يجب أن تقرأها لتكون مثقفاً)، مما يجعل القارئ يشعر بأن القراءة التزام مرهق وامتحان يجب اجتيازه. هذا الشعور بالإلزام يقتل الفضول، وينفّر الناس من الكتب.
لذا، يستند جاكوبس لإنقاذ فعل القراءة إلى النصيحة الذهبية التي أطلقها الشاعر والناقد "راندال جاريل" حين صرخ قائلاً: «اقرأ وفقاً لهواك! اقرأ وفقاً لهواك!» (Read at whim). المحرك الأول للقراءة يجب أن يكون الرغبة الشخصية والفضول الداخلي. ويعزز جاكوبس هذه الرؤية بالاستشهاد بشخصيات أدبية وازنة مثل الشاعر الإنجليزي "دبليو. إتش. أودن"، الذي أكد أن القارئ يجب أن يبحث عن المتعة الشخصية بالدرجة الأولى، وأن يتبع حدسه. إن من يجبر نفسه على قراءة كتاب فكري جاف لا يستهويه، لمجرد مسايرة القوائم المفروضة، يمارس ضغطاً نفسياً سينتهي به إلى كراهية القراءة وتركها تماماً.
من جهة أخرى، يمنحنا إقبال الناس على الروايات مؤشراً بالغ الأهمية مفاده أن هذا النوع من الطرح (القصصي والسردي) هو القالب الأقرب إلى العقول والأكثر قدرة على ملامسة القلوب. وبدلاً من تأنيب المجتمع، يجب أن ندرك أن هذا هو ما يحبه الناس، وعلينا كمهتمين بالشأن الثقافي أن نهتم بهذا الجانب ونعمل على تطويره. يمكننا تمرير أعظم الأفكار الفلسفية، والتاريخية، بل وحتى العلمية، عبر قوالب روائية جذابة تحترم شغف القارئ وتلبي ميله الفطري للقصة والحكاية.
ولكي نصنع مجتمعاً قارئاً بحق، علينا أن نبدأ بتعليم القارئ المبتدئ حسنات القراءة، وكيف يمكن للكتاب أن يفتح له آفاقاً عريضة وعوالم ساحرة، ثم نتنحى جانباً ونمنحه الحرية المطلقة. السماح له باختيار ما يقرأ، وفي الوقت الذي يحب، دون قيود أو إملاءات، هو السبيل الوحيد ليتحول الإنسان من شخص يقرأ بدافع الواجب، إلى عاشق للكتاب لا يستطيع العيش دونه. إن الرواية التي يختارها الشاب اليوم بحب وشغف، هي البوابة الآمنة التي ستعبر به غداً، وبمحض إرادته، نحو عوالم أرحب من المعرفة والفكر.