رجوع
الثمرة المستحيلة: لماذا فشل العالم في صناعة الأخلاق بمعزل عن السماء؟

الثمرة المستحيلة: لماذا فشل العالم في صناعة الأخلاق بمعزل عن السماء؟


الشيخ مقداد الربيعي 

يواجه العصر الحديث أزمة عميقة تتجاوز مجرد "غياب الأخلاق" إلى ما هو أشد خطورة: "تفريغ الأخلاق من محتواها". فرغم كثرة برامج التنمية البشرية ومناهج "التربية على القيم" في المدارس والمؤسسات، يعاني المجتمع من هشاشة أخلاقية غير مسبوقة. هذا التناقض هو ما دفع عالم الاجتماع الأمريكي "جيمس ديفيسون هنتر" إلى دق ناقوس الخطر في دراسته السوسيولوجية العميقة، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في قلة الخطاب الأخلاقي، بل في نزع الشروط الأساسية التي تجعل هذا الخطاب فاعلاً ومؤثراً.


الثمرة دون الشجرة: طلبُ المستحيل

يشخص هنتر الأزمة بدقة بالغة حين يوضح أن الإنسان المعاصر يحاول استنبات الفضيلة في أرض بلا جذور. لقد تخلت المجتمعات الحديثة عن الانتماء لجماعة أخلاقية ذات مرجعية، واستغنت عن مصدر الإلزام الأعلى من الفرد، وألغت فكرة "المحرمات التي لا تُناقش"، ثم تساءلت بعد ذلك عن سبب انهيار الشخصية الإنسانية.


«إن المجتمع الحديث يريد الثمرة دون الشجرة. يريد شخصيةً مستقيمة دون العقيدة التي تُنشئها، ويريد فضيلةً ملزِمة دون سلطة تُلزِم بها، ويريد أخلاقًا عامّة مشتركة دون الخصوصية التي تعطي الأخلاق مضمونًا.»

( "موت الشخصية: التربية الأخلاقية في عصر بلا خير أو شر"، جيمس ديفيسون هنتر، نيويورك، 2000)

هذا التحليل السوسيولوجي الدقيق ينسجم بشكل مذهل مع الرؤية القرآنية لبناء الإنسان. فالإسلام لا يقدم الأخلاق كقائمة من المهارات السلوكية المحايدة، بل يربطها ربطاً وجودياً وعضوياً بالعقيدة والإيمان بالله واليوم الآخر. القرآن الكريم صاغ هذه العلاقة الحتمية بنفس الاستعارة التي ذكرها هنتر، حيث جعل العقيدة هي الجذور، والأخلاق والعمل الصالح هي الثمار.


﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (سورة إبراهيم، الآيتان 24-25)

الإلزام الأخلاقي ومصدره المتعالي

تفشل استراتيجيات التربية الأخلاقية الحديثة —سواء كانت نفسية تعتمد على تقدير الذات، أو جماعية، أو حتى محاولات إحياء التراث الكلاسيكي— لعلة واحدة قاتلة: محاولة توليد "الإلزام" من فراغ. فحين يصبح معيار الصواب والخطأ هو "الفرد" نفسه أو "العرف الاجتماعي" المتغير، تفقد الأخلاق قوتها الإلزامية في لحظات الضعف أو الإغراء السري.


«إن جميع الاستراتيجيات الكبرى للتربية الأخلاقية تُخفق لعلّة واحدة: كلّها تحاول إنتاج الإلزام من غير مصدره.»

(موت الشخصية: التربية الأخلاقية في عصر بلا خير أو شر"، جيمس ديفيسون هنتر، نيويورك، 2000)

حين يصدر هذا الاستنتاج عن دراسة ميدانية لكاتب في جامعة أمريكية، فإنه ينقل فكرة "حاجة الأخلاق للدين" من مربع الدفاع اللاهوتي الذاتي للمؤسسات الدينية، إلى مربع الشهادة العلمية والواقعية. الأخلاق لا تثبت ولا تُقاوم الضغوط ما لم تكن مسنودة بسلطة عليا تتجاوز النسبية البشرية.

وقد أرسى أهل البيت (عليهم السلام) هذه القاعدة بوضوح، مبينين أن استقامة السلوك (الخُلق) لا يمكن أن تكتمل أو تُقاس إلا بمدى رسوخ الجذور (الإيمان).


قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «إِنَّ أَكْمَلَ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً.» (الكافي، الشيخ الكليني، الجزء الثاني، ص 99).

وفي نص آخر يربط بين الفضائل الأخلاقية والمصدر الإلهي الذي يُستمد منه الإلزام والتوفيق، لئلا يظن الإنسان أن الأخلاق مجرد مهارة يكتسبها بجهده الفردي المنعزل:


قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَامْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنْ كَانَتْ فِيكُمْ فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ مِنْهَا.»

(الكافي، الشيخ الكليني، الجزء الثاني، ص 56).

إن الحل لأزمة المناهج التربوية وانحدار القيم ليس في استيراد قوالب جديدة فارغة تُعلِّم الأجيال كيف يتحدثون عن القيم دون أن يمتلكوا وازعاً لتطبيقها. التأسيس الحقيقي للشخصية يبدأ من إعادة ربط "الثمرة بشجرتها"؛ فصناعة الإنسان المستقيم تشترط غرس العقيدة الراسخة التي تخلق رقيباً داخلياً، ومحركاً لا ينطفئ، وإلزاماً يستمد قوته وثباته من السماء لا من تقلبات الأرض.

مشاركة: