رجوع
ما عندي وقت

ما عندي وقت

د. صلاح الفضلي

قبل سنوات عدة قدمت دورة تدريبية بعنوان "تنظيم الوقت" لموظفي القطاع النفطي. وفي أول جلسة سألت المتدربين: كم واحدًا منكم يتمنى أن يجد وقتًا كافيًا للقراءة، أو ممارسة الرياضة، أو تعلم مهارة جديدة؟ فكانت أيدي الغالبية العظمى مرفوعة.ثم سألتهم: ما الذي يمنعكم؟ فجاء الجواب متشابهًا تقريبًا: "ليس لدينا وقت، فنحن مشغولون دائمًا."انتقلت بعدها إلى سؤال آخر: كم عدد مجموعات الواتساب التي يشارك فيها كل واحد منكم؟ وكم ساعة تقضونها يوميًا باستخدام الهاتف؟كانت الإجابات لافتة؛ فأقلهم كان مشتركًا في مجموعتين، بينما كان معظمهم عضوًا في أربع مجموعات أو أكثر. أما عن الوقت الذي يقضونه في استخدام الهاتف، فقد تراوحت الإجابات بين ساعتين وثماني ساعات يوميًا.فسألتهم: وهل تقضون هذه الساعات في أمور ضرورية؟أجاب بعضهم بأن الهاتف جزء من طبيعة عمله، لكن الغالبية اعترفوا بأن معظم الوقت يذهب في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي أو الترفيه ومتابعة أمور لا تضيف إليهم شيئًا يُذكر.عندها قلت لهم: أنا وأنتم، وكل من يردد عبارة "ليس لدي وقت"، لا يعاني غالبًا من نقص في الوقت، وإنما من خلل في ترتيب الأولويات.فالإنسان يؤدي في يومه مجموعة من الالتزامات الأساسية، مثل العمل، والنوم، ورعاية الأسرة، وهي أولويات لا غنى عنها. لكن كثيرًا منا يملك أيضًا وقتًا يمكن استثماره بصورة أفضل، إلا أنه يضيعه في أنشطة لا تحقق له فائدة حقيقية؛ كالإفراط في تصفح الهاتف، أو الجلوس لساعات طويلة في المقاهي أو الدواوين، حيث يدور الحديث في كثير من الأحيان حول موضوعات لا تضيف قيمة إلى الحياة.ولو اقتطع الإنسان ثلاثين دقيقة فقط من هذا الوقت يوميًا، لاستطاع أن يقرأ عدة كتب في العام، أو يمارس الرياضة بانتظام، أو يتعلم لغة جديدة، أو يكتسب مهارة قد تغير مستقبله المهني أو الشخصي.إن المشكلة الحقيقية ليست أننا لا نملك الوقت، بل أننا نضع الأمور المهمة في ذيل قائمة أولوياتنا. فنمنح ساعات طويلة للترفيه أو متابعة وسائل التواصل، بينما نؤجل القراءة، أو الرياضة، أو التعلم، إلى وقت قد لا يأتي أبدًا.ولعل خير دليل على ذلك أن أشخاصًا يتحملون مسؤوليات هائلة يجدون وقتًا للتعلم وتطوير أنفسهم. فبيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت وأحد أشهر رجال الأعمال في العالم، يقرأ عشرات الكتب سنويًا، ويخصص أسبوعًا كاملًا كل عام للتأمل والقراءة والتفكير في الأفكار الجديدة. أما المستثمر العالمي وارن بافيت، فيقضي جزءًا كبيرًا من يومه في القراءة والتفكير، ويعدهما من أهم أسباب نجاحه. وكذلك إيلون ماسك، الذي تعلم كثيرًا من أساسيات هندسة الصواريخ من خلال قراءة الكتب وسؤال الخبراء، رغم مسؤولياته في إدارة شركات عالمية.إذا كان هؤلاء، وهم من أكثر الناس انشغالًا، يجدون وقتًا للقراءة والتعلم، فما الذي يمنعنا نحن من تخصيص نصف ساعة يوميًا لتطوير أنفسنا؟لذلك، قبل أن نقول: "ما عندي وقت"، لنسأل أنفسنا سؤالًا أكثر صدقًا: هل المشكلة فعلًا في ضيق الوقت، أم في طريقة ترتيب أولوياتنا؟ ففي كثير من الأحيان، لا ينقصنا الوقت، بل ينقصنا القرار بأن نجعل ما ينفعنا في مقدمة اهتماماتنا.

مشاركة: