الشيخ مصطفى الهجري
يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. والأسوة لا تكتمل بحفظ تواريخ الغزوات وأسماء الوقائع، بل باستحضار النبي ﷺ في تفاصيل يومنا: كيف نعامل أهلنا، وكيف نجالس الناس، وكيف نواجه من أساء إلينا، وكيف نحزن.
وقد نبّه الشهيد مرتضى مطهري إلى فرقٍ دقيق في هذا الباب؛ فكلمة «السيرة» على وزن «فِعلة» الدالّ على النوع، فهي تعني أسلوب السلوك وطريقته، لا مجرد السلوك. ولذلك رأى أن كثيرًا مما كُتب باسم السيرة هو في الحقيقة سردٌ لأحداث حياته صلى الله عليه واله، أما المطلوب فهو فهم منهجه في التعامل.
وهذا المنهج صنعه التأديب الإلهي؛ فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الله عزّ وجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل له الأدب قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» (الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجة، باب التفويض إلى رسول الله (ص) وإلى الأئمة (ع) في أمر الدين، ص266، ح4). ومن هنا دعا أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الاقتداء العملي فقال: «فتأسَّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله... وأحبُّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّه، والمقتصّ لأثره» [3].
وتشتدّ الحاجة إلى هذه القراءة اليوم؛ إذ يعرف كثيرون تفاصيل الغزوات، ثم لا يعرفون كيف كان (عليه السلام) يعامل زوجته أو صاحبه أو خصمه. وفي هذه المقالة نقف عند أربعة ميادين من حياته اليومية: في بيته، ومع الناس، ومع من أساء إليه، وفي حزنه وشدّته، ثم نختم بخطوات عملية.
في بيته: الزوج والأب قبل القائد
سأل الإمام الحسين (عليه السلام) أباه أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حال رسول الله (صلى الله عليه واله) إذا دخل بيته، فقال: «كان دخوله لنفسه مأذونًا له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءٌ لله تعالى، وجزءٌ لأهله، وجزءٌ لنفسه» (الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع)، ط مؤسسة الأعلمي، ج2، ص283). فللأسرة في يومه نصيبٌ ثابت، لا ما يفضل من وقت الدعوة والحكم، ولنفسه نصيبٌ أيضًا؛ فالراحة ليست أنانية بل شرطٌ للعطاء. وفي زمنٍ تبتلع فيه الشاشات وقت الأسرة، يبدو هذا التقسيم النبوي دعوةً صريحة إلى أن يكون للبيت حضورٌ حقيقي، لا جسدٌ حاضر وذهنٌ غائب.
ولم يكن صلى الله عليه واله يرى خدمة البيت دون مقامه، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقّع بيده ثوبه» (الشريف الرضي، نهج البلاغة، تحقيق د. صبحي الصالح، الخطبة 160، ص227.). هذا وهو قائد الأمة ورسول ربّ العالمين.
ثم وضع (صلى الله عليه واله) ميزانًا يقيس به المسلم نفسه: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ط مؤسسة آل البيت، ج20، ص171، ح25337، نقلًا عن الصدوق في من لا يحضره الفقيه.). فالبيت هو المكان الذي لا جمهور فيه ولا تصفيق، ولذلك كان أصدق اختبار للأخلاق. ومن كان لطيفًا مع زملائه قاسيًا مع زوجته وأولاده، فقد أخذ من السيرة قشرها وترك لبّها.
مع الناس: عدلٌ حتى في النظرات
يروي الإمام الصادق (عليه السلام): «كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لحظاته بين أصحابه، ينظر إلى ذا وينظر إلى ذا بالسويّة» [6]. وعلّق المولى محمد صالح المازندراني بأن تقسيم النظرات من آداب المجالس، «لأنه يورث الأنس وجلب القلوب وعدم انكسارها» [7]. إن نظرةً واحدة قد تُشعر إنسانًا بأنه حاضر أو بأنه منسيّ، والمعلم في صفّه والأب على مائدته أحوج الناس إلى هذا الأدب.
وفي الرواية نفسها عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه (صلى الله عليه واله) كان يتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عمّا في الناس [4]؛ فلا يغيب أحدٌ عن باله، ولا ينقطع عن هموم مجتمعه.
وكان (صلى الله عليه واله) يراعي أفهام الناس؛ قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ما كلّم رسول الله صلى الله عليه وآله العباد بكُنه عقله قطّ»، وقال (صلى الله عليه واله): «إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» (الكليني، الكافي، ج8 (الروضة)، ص268، ح393 وح394.). فالتبسيط ليس استخفافًا بالسامع، بل احترامٌ له.
وبهذا اللين اجتمعت القلوب حوله، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
مع من أساء إليه: العفو عند القدرة
أمر القرآن نبيّه (صلى الله عليه واله) بمنهجٍ يقلب العداوة مودّةً: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. ويرى العلامة الطباطبائي أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ناظرٌ بحسب سياقه إلى أخلاقه الاجتماعية في المعاشرة، ومنها «الثبات على الحق والصبر على أذى الناس وجفاء أجلافهم والعفو والإغماض» (الميزان في تفسير القرآن، ج19، تفسير سورة القلم، ذيل الآية 4.).
وتجلّى ذلك يوم فتح مكة؛ فبعد سنوات من الأذى والحصار والتهجير والحرب، وقف (صلى الله عليه واله) أمام قريش وقد تمكّن منها، وسألهم: «ما ترون أني فاعلٌ بكم؟» قالوا: خيرًا، أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص412). وفي بعض الروايات أنه تلا قول يوسف (عليه السلام) لإخوته: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: 92]. وكانت ثمرة هذا العفو أن تحوّل أعداء الأمس إلى أنصار، كما وصف القرآن: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: 2].
العفو هنا ليس ضعفًا؛ فهو عفو من يقدر على الانتقام. وفي حياتنا اليومية خصوماتٌ أصغر بكثير: زميلٌ ظلمنا، أو قريبٌ قطعنا، أو جارٌ آذانا. والسؤال الذي تعلّمنا إياه السيرة: ليس كيف أنتصر على هذا الخصم؟ بل كيف أحوّله إلى صديق؟
في الحزن والشدة: بشرٌ يبكي، ونبيٌّ يثبت
لم يكن النبي (صلى الله عليه واله) يكتم مشاعره الإنسانية. يروي الإمام الصادق (عليه السلام): «لما مات إبراهيم هملت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله بالدموع، ثم قال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يُسخط الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» (الكافي، ج3، كتاب الجنائز، ص262، ح45). فالحزن ليس نقصًا في الإيمان، والدمعة لا تعارض الرضا، وإنما الحدّ هو القول الذي يُسخط الله.
وقد مرّ (صلى الله عليه واله) بعامٍ عُرف في كتب السيرة بـ«عام الحزن»، فقد فيه زوجه السيدة خديجة (عليها السلام) وعمّه أبا طالب، ثم خرج بعده إلى الطائف يدعو، فلم يُقعده الحزن عن رسالته. ومن هنا يتعلّم المسلم أن الاعتراف بالألم، وطلب العون عند الضيق، لا ينافيان التوكّل والصبر.
وفي المقابل، كان (صلى الله عليه واله) أثبت الناس عند الخطر. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «كنّا إذا احمرّ البأسُ اتّقينا برسول الله صلى الله عليه وآله، فلم يكن أحدٌ منّا أقربَ إلى العدوّ منه» (نهج البلاغة، باب المختار من غريب كلامه (ع)، الفصل 9، الحكمة 260). والدرس لكل ربّ أسرة ومسؤول: في الأزمة يتقدّم القائد ولا يختبئ خلف من يقودهم.
السيرة لا تُقرأ لتُحفظ، بل لتُعاش. إنه رسولٌ من أنفسنا، عاش ما نعيشه من بيتٍ وعملٍ وخصومةٍ وفقد، ولذلك كانت أسوته ممكنةً لكل أحد: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128]. فإذا وجد المسلم في نفسه شيئًا من هذه الخصال، فليعلم أنه بدأ يسير على الأثر، وأن «أحبّ العباد إلى الله المتأسّي بنبيّه».