17 صفر 1443 هـ   25 أيلول 2021 مـ 3:56 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  الصبر وثلاثية التكامل
2021-05-21   487

الصبر وثلاثية التكامل

الحديث عن الصبر، كمفردة أخلاقية، يتعدى الحديث عن الأخلاق، ليصل الى أهم مصاديق طاعة، بل ويكون في أحيان كثيرة ملمحا من ملامح العبودية المطلقة لله الواحد، وهو ما جعل القرآن الكرم يقرنها في مواضع كثيرة مع الصلاة وغيرها من العبادات التي تؤكد عبودية الفرد لربه، بل أنه مادة أيمان الفرد وعبوديته لله، كما وصف ذلك أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام بقوله: "الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ، بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ".
وقد ورد عن النبي الأكرم صلوت الله عليه وآله، أنه قال: "الصبر ثلاثة: صبرٌ على المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ على المعصية"، وهو تقسيم تكاملي نوعي للصابر، ودرجات يرتقيها صاحبها، طلبا لمرضاة حقيقة من خالقه، خصوصا وأنه ـ الصبرـ إنما هو قوّة معنوية هائلة تكشف مدى قدرة الفرد على مواجهة نفسه وتحديها اذا ما شطحت برغباتها، وبالتالي فأنه ـ الصبر ـ  مرتبة عليا يرتفع بها الصابر في سلم التكامل نحو ربه.
وحسب الحديث النبوي الشريف، فأن موارد الصبر ـ وإن شأت فقل مراتبه ـ تكمن في ثلاثة موارد، تتمظهر الأولى في الصبر على المصيبة، على اعتبار أن حياة الفرد ـ أي فرد ـ لا يمكن أن تخلو من عقبة كئود أو أزمة او مصيبة ما، تحيل صفو عيشه في مرحلة ما الى كدر وهم وغم، كخسارة ماله مثلا او فقدانه لعزيز او خسارة لعمل، ما يجعل من صبره حيال ذلك نوعا من التسليم لقضاء الله وقبولا حقيقا لمشيئته، فضلا عن كون ذلك أيمانا عمليا منه بأن بعد هذا العسر يسرا، وأن بعد هذا الصبر نصرا، كمال ورد عن نبي الرحمة صلوات الله عليه وآله يوم قال: "إنّ النّصر مع الصّبر"، كتصديق منه ـ وهو الصادق الأمين ـ لقوله تعالى: ((الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ))(سورة البقرة ـ 156).
واختبار الصبر على المصيبة أنما هو أبتلاء حقيقي يبتليه الله لمن حسن ايمانه وصدق قوله، ومن ذلك مثلا، الصبر على الجهاد قبالة حلاوة الدنيا ومغرياته الفانية، والصبر على قلة الناصر، ـ وهي طاقة لا يستطيعها الا من حسن اسلامه وصلحت سريرته ـ، خصوصا أمام الفتن التي قد تجعل الفرد ضعيف الإيمان في موارد الشك والحيرة. 
وفي مرتبة أخرى، فأن الصبر على الطاعة يتمظهر في صبر الصابر طاعة لله ورسوله وأولوا الأمر، كصبره على التزام الواجبات الشرعية المناطة به كالعفة مثلا تحديا منه لمغريات الحياة، وصبره حيال الواجبات الإلهية الداخلة في عهدته وعلى ذمّته، وصبره هذا انما هو تعهدا منه في عدم التقصير بواجباته كالصلاة مثلا وادامتها مهما كان الظرف والحال، ومنه على النحو الخاص، صبره حيال واجباته المالية لمستحقيها وأدائها ضمن مواعيدها وأماكنها وظروفها سواء تعلّقت بنفس الملتزم أو بما له أو بما هو من شؤونه وتوابعه، لأن عدم صبره حيال ذلك، منقصة منه لواجباته وتقصيرا في طاعته وهو ما يوجب الإثم ويستلزم العقاب لأن في ذلك تكاسل عن أداء التكاليف الشرعية المناطة به.
وفي المرتبة الثالثة، يأتي الصبر على المعصية، وبه يختبر المرء علاقته الحقيقة بربه من خلال محاربته لنزعاته الشهوانية ورغباته غير المشروعة، فصبره على الصدق وعدم انجراره للكذب مهما كان مسوغه، أنما هو اختبار روحي لصدقه مع ربه، كما أن صبره عن ارتكاب الزنا رغم حاجته الفسيولوجية للأنثى، هو اختبار حقيقي لأديمته من جهة وخوفه من ربه من جهة أخرى، وتكمن صعوبة هذا الصبر في حاجة صاحبه لإدراك العواقب الوخيمة لهذه المعاصي على الرغم مما تشكله من تحدي مغري لصاحبها، وربما حاجة فعليه منه لها. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م