17 صفر 1443 هـ   25 أيلول 2021 مـ 4:26 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

 | أخلاقيات الإسلام |  الرحمة والشدة؛ وجهان لعملة المؤمنين.. كيف ولماذا؟
2021-06-14   796

الرحمة والشدة؛ وجهان لعملة المؤمنين.. كيف ولماذا؟

ثمة أوصاف وسمات اجتماعية تتحلى بها هذه الأمة دون تلك، وهذا الملة دون هذه، وربما هذه العائلة عن غيرها. والحديث عن الخصائص الاجتماعية التي تحكم مجتمعا ما دون غيره وإن كانا من نفس البيئة وبظروف معيشية واقتصادية متشابهة، يجرنا للاعتراف بمخرجات علم الاجتماع والسيسيولوجيا، وحكومة الأخلاق فيها؛ لأن الحاكمية هنا للبناء الأخلاقي والعقائدي لهذه الأمة عن تلك.
وعليه فقد تميز المؤمنون بالدين الإسلامي عن غيرهم بسمة مهمة وجوهرية، إلا وهي الرحمة، مصادقا لقوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ....))(صورة الفتح ـ 29)، إذ يتميز أتباع نبي الإنسانية محمد صلوات الله عليه وآله عن سائر الجماعات بأنهم متراحمون فيما بينهم، يشدون أزر بعضهم بالرحمة والوصلة فتجدهم كالبنيان المرصوص، وهو ما خلّقهم به نبيهم الأكرم صلوات الله عليه وآله، ـ الذي وصفه الله بأنه على خلق عظيم: ((وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ))(سورة الملك ـ4) ـ حيث قال صلوات الله عليه وآله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، وفي حديث أخر؛ قال صلوات الله عليه وآله: "المؤمنون كالنفس الواحدة"، وفي حديث ثالث، قال صلوات الله عليه وآله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى سائره بالسهر والحمى"، وما هذه السمة ـ الرحمة بين المؤمنين ـ إلا نتاج طبيعي لتلك القيمة الأخلاقية العظمى التي ندبهم اليها كتابهم المقدس (القرآن الكريم)، والتي ذكرهم بها كتمييز بينها وبين ما عهدوه من أجواء شحن وضغينة واحتراب يوم لم يدخل الإسلام دارهم، فقد قال عز من قال: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ))(سورة آل عمران ـ 103).
 وعلى هذا وذاك، فأن العلاقة بين المؤمنين، تحتكم ـ وفقط ـ لقانون الرحمة والتراحم فيما بينهم بخلاف تلك التي تحكمهم مع الأعداء المتربصين بهم، وبهذه الثنائية ـ الرحمة بين المؤمنين والشدة على الكفار ـ تتأسس ملامح المجتمع المسلم وتنتظم الشؤون بينهم على أساس متين من التراحم والتآلف، ما يجعل منهم أمة واحدة لا تفرقها العنصريات والانتماءات الجانبية مهما كانت. 
ومما لا شك فيه؛ أن هذه الميزة ـ التراحم بين المؤمنين ـ سيكون لها قدم السبق في إحياء روح الأمة وإشعال جذوتها على الصعيد الفردي والمجتمعي، لأنها صفة باطنية متغلغلة في النفس، تتوالد تتوالد جملة صفات أخرى كالمحبة والتآخي والتآزر، وهذا ما يمنح الأمة المؤمنة سمة المرور بين افرادها، أي أنهم سيتقاربون ويتلاحمون إذا ما مسهم سوء أو حاولت قوة ما ثنيهم في عقيدتهم وذلك من خلال انتصار بعضهم لبعض إذا ما كانوا على حق، أو التناصح إذا ما شذ منهم شاذ. 
ومن جهة أخرى، فأن التراحم بين المؤمنين، يستلزم رص صفوفهم وبشد حيال من يكفر بعقيدهم ويؤذيهم بتشكيلهم قوة عقائدية شديدة البأس على من يحاول هدم بنيانهم؛ والشدة هنا تشتمل على صور عدة، منها الشدة في الموقف العقائدي، والشدة في المواجهة الحربية ـ إن تطلب الأمر ذلك ـ، ولا ينبغي ـ والحال في الحرب ـ أن يتراخى المؤمنون في شدتهم حيال عدوهم، لأن في ذلك اضعاف لهمة المجموعة وتوهين للمعتقد، وهو ما يُمّكن العدو من النيل منهم وتمزيق صفوفهم عبر إشاعة أجواء الاختلاف والشقاق، لأن في جمعهم وحدة مصير وفي فرقتهم ضياع وتيه.
والملف للنظر أن صفة التراحم بين المؤمنين حسب النصر القرآني آنف الذكر؛ قد أرتبط بحسن عبادتهم لله سبحانه وتعالى؛ مظهرا وجوهرا، من خلال الركوع والسجود من جهة وطلب الرضوان من الله جل شأنه، وبذلك فأن ملامح رضا الله عليهم ستترك في وجوههم آثرها وسيماها، تمييزا لهم عن سائر الأمم. 
ومما لا شكك فيه بأن الخطاب الإلهي للمسلمين المؤمنين بهذه الثنائية ـ الرحمة فيما بينهم والشدة على الكفار ـ سيؤسس لقاعدة سيسيولوجية مهمة؛ وبالتالي فانهم ملزمون بأن يتحركوا وفقا لمحدداتها ومساحاتها، لأن فيها ما هو خيرا لهم ؛ بل وأن ذلك سيزيدهم تلاحماً وترابطاً، وصولا لرسم ملامح حقيقة للمؤمنين إنى كانوا وصاروا، ـ كقوة على أرض الواقع ـ، قوامها الرحمة من الجهة البينية، والشدة من الجهة الخارجية. 

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م