17 صفر 1443 هـ   25 أيلول 2021 مـ 4:32 مساءً كربلاء
سجل الايام
القائمة الرئيسية

2021-08-23   803

الإمام السجاد ومنهجيته في بناء الفرد والمجتمع

ما أن وضعت معركة الطف أوزارها، بشهادة الثلة الطيبة من آل بيت النبي محمد صلوات الله عليه وعليهم، حتى دخلت الأمة الإسلامية في أتون الحرب الإعلامية، حرب غير متكافئة، تقودها من جهة الطغيان الأموي، مؤسسة إعلامية تمتلك المال الذي يزور الباطل ويجعله في عيون الأخسرين حقا، يحرف الحقيقة ويغير ملامح القضية، أنها قذارة العدو يوم افتقد لأخلاق الفرسان، ومن جهة أخرى، بقايا من البيت النبوي، أغلهم نساء منكسرات ويتامى، وعدد قليل من الهواشم سلام الله عليهم.
اشتغلت الآلة الإعلامية الأموية بُعيد الطف ـ وبالتحديد اثناء رحلة سبي الفواطم والعليل عليهم السلام ـ على تخريج أهل بيت النبوة ـ جعلهم خوارج ـ  في نظر العوام، والحديث ما زال في الشام، حيث معقل الفساد الأموي الذي أمتد لنفوس الشاميين، إلا ما رحم الله، حتى ظن الناس بأن هؤلاء مارقون عن الإسلام، وخارجين عن الملة؛ فراحوا يتجمهرون عليهم تشفيا وغيلة، فهذا يسب، وذاك يوبخ، وتلك تهلهل فرحا.. أنه التفكير الجمعي، أو ما يمكن أن يسمى بالحالة الغنمية، حيث تتبع الأغنام راعيها حتى وأن كان في طريقه بهم للمسلخ. 
وسط هذه اللحظة المفصلية من مسيرة الحق والحقيقة، صار مسؤولية الإمام زين العابدين عليه الصلاة والسلام ـ وهو الإمام بالنص بعد أبيه الإمام الحسين عليهما الصلاة والسلام ـ أشد وأصعب، فليس العدو مجرد جيش وحكومة، إنما هؤلاء الناس الذين أعماهم لمعان الذهب والفضة، وسولت لهم أنفسهم غير الحقيقة، فضلا عن أولئك الذي ماتت فيهم رغبة البحث عن الحق. 
من جهة أخرى، فقد أصيب أتباع أل البيت المحمدي بإنكسارة الروح المعنوية، وصار الناس بين نادبا وباكيا ومعتزلا، وانطلقت شرارة التوابين ـ وهو فريق من محبي آل البيت؛ راحوا يطلبون التوبة بحرب أخرى نكاية بأنفسهم عن تأخرهم في نصرة الإمام الحسين ـ فكانت النفوس عطشى لما يروي قحطها وجذبها، وهذه المرة ماء يروي عطش الروح المعنوية التي انكسرت بعد استشهاد الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام، والتي فسرها بعض شيعته بأنها النهاية، وهو ما قد قرأه الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام جيدا من خلال استقراء المجتمع الكوفي من جهة، والمدني (من المدنية) من جهة ثانية والشامي من جهة ثالثة، بل وأنه عليه الصلاة والسلام قد شخص مشكلة الأمة الإسلامية في حينها، يوم اغتصبت الخلافة من مستحقيها، وما ترك ذلك من فراغ روحي فيهم، فعمد الى تأسيس منهج العودة للحق والحقيقة، يرمم الروح المنكسرة، ويشفي جراحات المحبين، ولا يكون ذلك إلا من خلال منهج تربوي روحي حصين ومتكامل في بناء الذات، يرتكز على القرآن والسنة العصموية الشريفة من تراث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، وكان ذلك من خلال مسارين اثنين، هما:
1. الدعاء، وذلك من خلال الصحيفة السجادية التي احتوت من العقائد والأخلاق ما يبني أمما كاملة، لما تحويه من مناجم أخلاقية وتربوية، فضلا عن البلاغيّة والأدبيّة، حتى سماها البعض بأنها أخت القرآن وإنجيل أهل البيت وزبور آل محمّد.
نعم.. بالدعاء، استطاع الإمام السجاد تهذيب الأمة وإعادة الروح اليها، من خلال مد حبل الوصل بينها وبين الله جل شأنه، ففي الدعاء يعيد المرء ترتيب أولوياته ويبني ما كُسر منه، خصوصا وأن هذه الصحيفة احتوت على كنوز من المعارف الإسلامية ذات المفاهيم العميقة والمضامين المهمة في العقائد والفكر والأخلاق والتربية والسلوك.
وقد استخدم الإمام السجاد الدعاء كوسيلة للتربية، وبه استطاع أن يربي جيلاً من الفقهاء والعلماء والرواة والمحدثين والمفسرين على فضائل الأخلاق ومكارمها، متخذا من الدعاء وسيلته لذلك، وقد تخرج من مدرسته العلمية العظيمة هذه؛ أساطين العلم والمعرفة من قادة الرأي والفكر في مختلف العلوم والمعارف الإسلامية.
ومما يدلل على أهمية ونفاسة الصحيفة السجادية أن ما كتب على هامشها، شرحا وتنقيبا، ما يفوق المائة وخمسين شرحاً فضلا عن ترجمتها بعدة لغات عالمية.
2. البناء القيمي للفرد والمجتمع، أذ اشتغل عليه الصلاة والسلام على خلق الأجواء التي تعيد الفرد لفطرته السليمة، فضلا عن تجويد علاقته بالله من خلال العبادة الواعية التي تصل به لصلاح النفس، ومن ذلك تشكيل منظومة الرفض المطلق للطاغوتية وأن كان الخسارة، أنفس غالية كما فعل اباه عليه الصلاة والسلام. 
كما عمل الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام على تربية جيل من العلماء الربانيين الذين ربوا بدورهم علماء وعبّاداً صالحين، ينتهجون منه القيم الإلهية، حيث تشكلت في حينها حالة مجتمعية من التواصل والتعاطف مع ما يطرحه عليه الصلاة والسلام من سبل وطروحات تستهدف انقاذ الأمة، بوجهائها وعوامها، فبقدر اشتغاله على تصويب مواقف الوجهاء ممن تخاذلوا عن نصرة الحسين عليه الصلاة والسلام، اشتغل عليه الصلاة والسلام على تحرير العبيد وبسطاء النساء، ليس من سطوة سادتهم وحسب، إنما من سطوة الفكر العبودي لغير الله، فكان يشتري العبيد ويعلمهم ويزكهم وينقلهم الى فضاء العبودية لله سبحانه، وبذلك خلق مجتمعا ينعم بروح الإسلام بعد محاولات عقيمة من البيت الأموي في تمييع رابطة الأمة بربها نبيها وأهل بيته الطاهرين.

جميع الحقوق محفوظة لموقع (الإسلام ...لماذا؟) - 2018 م