رجوع
الإسلام والآخر... المتفق عليه قبل المختلف فيه

الإسلام والآخر... المتفق عليه قبل المختلف فيه

يتوسل الإسلام بوسائله المشروعة في ايصال صوته ورأيه للأخر، ومن ذلك اسلوبه الخاص بالحوار، على العكس مما يتبناه غيره من الأديان، كأساليب التعمية والتعويم والحجر والوصاية على التفكير فضلا عن تكميم الأفواه، وقسر الإرادات. . والحوار في الإسلام هو الوسيلة الأنجع في ايصال صوته، ليس لأنه لا يؤمن بغير ذلك من...

يتوسل الإسلام بوسائله المشروعة في ايصال صوته ورأيه للأخر، ومن ذلك اسلوبه الخاص بالحوار، على العكس مما يتبناه غيره من الأديان، كأساليب التعمية والتعويم والحجر والوصاية على التفكير فضلا عن تكميم الأفواه، وقسر الإرادات. .
والحوار في الإسلام هو الوسيلة الأنجع في ايصال صوته، ليس لأنه لا يؤمن بغير ذلك من وسائل وحسب، كما بيناه آنفا، إنما لأن لديه الحجة الكافية والدليل المقنع في تقبل الأخر للرأي وأنفاذ الفكرة لديه؛ إن كان من طلاب الحقيقة.
والحوار في الإسلام هو ذلك الحوار الذي يعمد على الجدال الموضوعي المتسم بالإنصاف وقبول الرأي والرأي الأخر، والاحتكام لحكومة المنطق بعد عرض ما يثبت ذلك من أدلة وبراهين، وصولا للحقيقة، الحقيقة المجردة، وحسب. 
وبغية الخروج بالنتائج المرجوة من أي حوار يكون الإسلام طرفا فيه، نجد أن حواره يتسم بأخلاقية التحاور، المبتناة على احترام الأخر وعدم التعسف معه إذا ما أبدا رأيه، فضلا عن الابتعاد عن الفنتازية الحوارية، والرضوخ فقط للمنهج العلمي المبتنى على الحجة والبرهان وغير ذلك مما يُقتع الأخر، وهي أدبيات جوهرية للحوار الإسلامي البناء. 
كما يتخلق الحوار الإسلامي مع الأخر غير المسلم بأخلاقيات خاصة، قلما تجدها في دين أخر، ومنها:

ـ الجدال الحسن:
يشتغل المحاور المسلم على تضييق مساحات الاختلاف مع الأخر من خلال الإسلوب المرن واللين، فالتزمت والحدية يمكن أن تدفع الأخر للتعصب على ما يعتقد، وقد يخلق ذلك حجابا بين الحجة والاعتراف بها، فطالب الحقيقية والعصبية لا يتفقان، والأقناع لا يأتي بالانزواء والانغلاق، ولا يمكن أن يقبل الأخر حجتنا بالسيف او بالقوة واراقة الدم، إنما يقبلها بالوجه البشوش والكلمة الطيبة والدليل المقنع.
وبين أن يكون الجدال مع الأخر، أي أخر كان، بصيغة المبالغة بالأسوأ مرة، وبالسيء مرة أخرى وربما بالحسن، إلا أن الإسلام يُلزم المحاور عنه بأن يكون جداله جدالا بالأحسن وليس بمجرد الحسن فقط، فها هو القرآن الكريم يؤسس لهذا الجدال بالأحسن المتسم بالمرونة من خلال قوله تعالى: ((ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ))(سورة النحل ـ 125)، كما يؤكد ذلك في مورد اخر من سورة العنكبوت بقوله تعالى: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))(سورة العنكبوت ـ 46)، خصوصا وأن الدفع بالحسنى والجدال الحسن يمكن أن يصير من العدو صديقا حميما، كما تبينه الآية الشريفة من قوله تعالى: ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(35))(سورة  فصلت ـ 33 ـ35). 

ـ المرونة في قبول رأي الأخر والاستماع له:
وعلى خلاف ما يعتقده الأخر، من أن النقاش أشبه ما يكون بحلبة عراك، أو ساحة حرب، يرى الإسلام في الحوار الذي يتبناه بأنه حوار تقارب لا تباعد، تلاقح لا تصارع، وكما أن من حقنا على الأخر أن يستمع لحجتنا بشكل صحيح، فللأخر ذان الحق الذي يكون له علينا، ففي الوقت الذي نطلب فيه منه آذانا صاغية، حق له ذلك علينا ايضا، ونفس الأمر بقبول رأيه السديد دون تعنت او تزمت، من خلال فتح اقفال القلب قبل اقفال الآذان، فالحقيقة تتوغل للقلب كما تتوغل للأذن، خصوصا وأن عدم سماع الأخر، يولد لديه رده فعل نفسية، تتمثل في التشنج حيال رأيه، والتمنع من قبول الرأي الأخر، وهو ما لا يخدم أي حوار، فما بالك والحوار دينيا يمس العقيدة مثلا.
وعلى عظمة وأهمية موضوع وحدانية الله وعدم الشرك به، وعلى الرغم من كون ذلك من أولى مسلمات الدين الإسلامي، وأكثرها بداهية، نجد ان الله سبحانه وتعالى يعرض موضوع توحيده بمنتهى الشفافية بحوارية لا نجد لها مثيلا، كما في قوله تعالى: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24))(سورة الأنبياء ـ 22 ـ24)، ونفس الشيء في قوله تعالى: (( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ))(سورة المؤمنون ـ 91)، وقوله تعالى: ((قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ))(سورة الإسراء ـ 42).

ـ المشترك قبل المختلف عليه:
ينطلق الإسلام في أدبيات حواره مع الأخر، من المشتركات الإنسانية والعقائدية قبل المختلفات، من قاعة الـ" نحن" قبل قاعدة "أنت أو انا" وفي ذلك تمهيدا نوعيا لقبول الأخر للرأي الإسلامي، فالتركيز على المشترك، يقلص الفجوات مع الأخر، ويجعل من المختلفات، مساحات قابلة للتفاوض والنقاش، ومن ذلك قوله تعالى: ((وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ))(سورة العنكبوت ـ 46)، وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا والنصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))(سورة البقرة ـ 62) وقوله تعالى: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون))(سورة آل عمران ـ 64) . 

ـ الحجة وليس غيرها:
من جهة أخرى، يؤسس القرآن الكريم الى الحوار الهادف، من خلال الحجة والبرهان، ولا يقبل بالحوار لمجرد كونه حوارا، فتراه يؤسس لدليل قبالة دليل الأخر، وحجة قبالة حجته، وبرهان قبالة برهانه، بل ويطالب الأخر بالحجة المقنعة لكل ما يدعيه، ولا يقبل بطرح الفكرة المجردة عن الدليل، والمفروغة عن الحجة ففي قوله تعالى: ((وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ))(سورة البقرة ـ 111) يعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف نطالب الأخر بالدليل المنطقي والبرهان الواضح على ما يدعوه، وهو ذات المطلب في قوله تعالى: ((أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ))(سورة الأنباء ـ 24)، وقوله تعالى: ((فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىٰ أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(49))(سورة القصص ـ 48 ـ 49). 


فاطمة الناظم 
مشاركة: